الحوار كمنهج لترسيخ مفهوم الدولة وحل النزاعات

حسن المصطفى
حسن المصطفى
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

حجم الدم والخراب السائد في الشرق الأوسط، وأعداد المهاجرين الفارين من أوطانهم بحثاً عن الأمن والاستقرار، والتوغل الحاصل للأصوليات والمليشيات المسلحة، والتراجع المطرد لحقوق الإنسان ومفهوم الدولة الوطنية الجامعة، وما يعتريها من هزات متتالية، تخلخل بنيتها المعرفية والوجدانية في عقول المواطنين أولا، وتجعلها نهباً للخارجين عن القانون تالياً، كل ذلك يأتي في سياق تصاعد للخطاب الطائفي، والصراع المذهبي والسياسي والإثني، وسط التهام للعواطف جعلها حاكمة على العقول، ومسيرة لها، وفارضة عليها إكراهاتها، ما شكّل قوة ضغط كبيرة على الحكماء، وجعلهم يتراجعون منكفئين شيئا فشيئا، فاقدين للحيلة والمبادرة، بعد أن واجهتهم صعوبات لم يكن صناعها من عامة الجمهور البسيط والفاقد للوعي السياسي، بل معوقات صنعتها نخبٌ كان يفترض بها الوعي والكياسة، فإذا هي تنساق للخطاب الغرائزي، معلية من شأن الدم أمام العقل!.

ليست الحال مناسبة للإنشاء والخطابات الشاعرية والمواعظ الأخلاقية، لأن كل ساعة تمضي تجرنا إلى الوراء، وتهدر فيها الفرص، وتترسخ فيها الأصوليات وتزداد تجذرا على الأرض وفي الوجدان المريض.

إشكالية رئيسة تدفع نحو هذا التعقيد الحاصل في مجتمعات الشرق الأوسط، تكمن في عقلية التفرد والاستحواذ، القائمة على مفهوم الغلبة ورفض الشراكة، وتحويل الاختلاف والتباين في وجهات النظر والمصالح إلى نزاعات مادية وعسكرية، لا يتورع أصحابها عن استخدام الدين والقبيلة والعرق في سبيل هزيمة من يختلف معهم أو ينافسهم على القوة.

التنافس أمر طبيعي جدا بين البشر، وهو مدعاة للتطور حين يشحذ كل واحد منا عقله وفكره بشكل علمي ومنهجي سلمي، بعيدا عن استخدام وسائل غير أخلاقية أو فتاكة، تحول التنافس إلى تناحر وصراع.

ليس من الجائز أن يستمر استخدام الإنسان كرقم في النزاعات العبثية في أكثر من قطر عربي، وتتحول لغة التحدي و"تكسير الرأس" و"تمريغ الأنف في التراب" و"الإبادة" إلى محددات للتفكير تُبنى على أساسها السياسات وتدار العلاقات وترسم المعارك.

الحوار المباشر بين الخصوم والأطراف المتنازعة أو المختلفة، هو أيسر، وأقصر، وأسلم الطرق، وأكثر عقلانية وأخلاقية للتخلص من كل المشكلات القائمة بين الجماعات والأحزاب والدول. وهو المنهج العقلاني الذي يقرره الحكماء والفلاسفة ومن يمتلك بصيرة حادة.

توفير المال، وحفظ النفس البشرية، وتقليل التوترات المذهبية، وتراجع الصدامات بين الجماعات، كل هذه ليست إلا جزءا يسيرا من فوائد الحوار، وما يعود به من إيجابيات على من يختاره كطريق يسير عليها.

علينا أن نعي أن الحوار هو سيرة الشجعان والأقوياء ممن يمتلكون الوعي والرؤية السياسية، وليس دليل ضعف أو جبن أو هزيمة كما يروج الحمقى والجهلة.

هو الحوار سبيلنا الوحيد لشرق أوسط أكثر هدوءاً، بعيدا عن الطائفية، وقادرا على مواجهة خطر الأصوليات والجماعات المسلحة، تكون فيه المرجعية للقانون المدني الذي يشكل بنية الدولة الوطنية الحديثة.

نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.