.
.
.
.

عصف تخيلي

عبده خال

نشر في: آخر تحديث:

تقوم الدعوة الإسلامية على جناحي الترغيب والترهيب.
وفي الزمن الذي نعيشه تغدو وسائل الترهيب أكثر تنفيرا لفئات عديدة، وللأسف فإن كثيرا من الدعاة والوعاظ لا يجدون وسيلة أنجع في كبح تدافع المجتمع نحو مباهج الحياة سوى استخدام وسيلة الترهيب لتنبيه الناس عن غفلتهم وهي وسيلة غير ناجعة دائما خاصة إذ كانت المادة المستخدمة للترهيب متعلقة بالغيب..
ونتذكر وقائع كثيرة انساقت لمثل هذه الدعوات ففي سنوات سابقات نذكر المعلمة التي وزعت منشورا عن ظهور المسيح الدجال والمهدي المنتظر انطلقت من نية حسنة لكي تدخل الرهبة في قلوب تلميذاتها كوسيلة كبح إلا أن دعوتها تلك جاءت بنتائج معكوسة على نفسيات الطالبات مما ولد فزعا بين التلميذات.
وأسهم الكثير من الدعاة في تعطيل الحياة بإعلان ظهور علامات القيامة، وهو انشغال بالغيب أكثر من الانشغال بعمارة الارض..
والحديث الشريف الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها فله بذلك أجر».
وهذا يدلل على أن ديننا دين محب للحياة وليس داعيا للموت..
وهناك منطلقات سياسية لبعض الجماعات الحركية حينما تم تسييس الدين فتم تحويل الدين إلى دين داعٍ للموت وهذا ما يفسر استغلال المنشغلين بالحياة السياسية أن غرسوا في داخل أعماق الناشئة تحبيب الموت على الحياة وتم استخدام الشباب في الانتحارات والتفجيرات كموت يقابله كمعدل موضوعي الجنة بينما لو تم اتخاذ الترغيب وسيلة لإعمار الأرض لما انقادت المجاميع الغفيرة لقتل نفسها وترويع الآمنيين في كل مكان على وجه الأرض باسم الدين.
وتتدرج مراتب الترهيب في مستوياتها لتجد من يوزع مقولات غريبة ربما يتفهمها الكبار إلا أن الصغار - كطلاب وطالبات المدارس - لا يعرفون منها سوى الرسالة التخويفية.
ولو أن الدعاة والوعاظ لجأوا إلى الجناح الآخر المتمثل في الترغيب فهناك مئات الحكايات والقصص التي تؤدي بالإنسان إلى التذكر والخشية من غير إشعال فتيل الخوف في نفس المتلقى ،كما أن الداعية عليه معرفة واقع مجتمعه وكيف يعيش وما هي التحديات التي تعترضه ومعرفة كيف يتم إيصال الرسالة بحيث يتم قبولها إلا أن هناك دعاة -وليس هناك شك في سلامة طويتهم- غائبون عن واقعهم تماما تجدهم «يصارخون» ولا يعرفون من الدعوة سوى جانبها الترهيبي ويملون أنفس الناس بالضيق وينسون أن رحمة الله سبقت كل شيء.
هذا الجريان لوسيلة الترهيب وصل إلى المدارس كأن يتم تطبيق الصلاة على الميت أو تقريب عذاب جهنم بصور دنيوية أو الجزم بأن ما يحدث هنا أو هناك من كوارث ما هو إلا غضب من الله أو التنبؤ بظهور المسيح الدجال..
السؤال الذي لايزال يشغلني منذ ظهور هذه الوسيلة المرعبة: لماذا لا يتم استخدام الترغيب من قبل الدعاة في دعواتهم؟ وهو سؤال يمثل مربط الفرس لمن يعرف رسالة المسيسين للدين.
أخيرا: قربوا ولا تنفروا... ويسروا ولا تعسروا.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.