أكبر مشروع تعليمي لعقول الشباب
معلوم مسبقا أن العقل البشري هو القادر على تغيير الحياة الكونية، وهذا ما أدركته جليا بعض الدول عندما فتحت الاستثمار فيه على جميع الأصعدة، ليس فقط عندما خصصت الأموال وموارد البحث بكرم سخي فيه؛ بل في إلغائها لكل الحدود المتعلقة بالعرق والانتماء، فهناك من الدول من لا يهمها الجانب العقدي أو العرقي الذي تنتمي له مهما كان أمام ما ستقدمه في مجال بحثي أو وظيفي معين، بل إنها قد تهيئ مجموعة من المزايا والمحفزات لاستقطاب أصحاب الكفاءات وتحاول أن تضمن بقاءهم في الدولة وعدم رجوعهم لموطنهم الأصلي ودائما ما تكتشف قدراتهم وهم في طور مراحل تعليمية مبكرة في التعليم العالي، وعائد هذه الخطوة واضح أمام العالم بشكل عام..
هذا الموضوع ليس بجديد ومعروف كمعلومة عامة عند العموم. الأمر الذي لم ينتبه له، والمقصد أنه لم ينتبه له (من جانب صانعي الاستراتيجيات والخطط التعليمية والفكرية) إننا نعاني مأزقا تعليميا وعلميا ومعرفيا كبيرا عند طلبتنا، وعندما نقول طلبتنا فنحن نقول شبابنا ومجتمعنا.. فكثيرا ما أطلعتنا مستجدات وزارة التربية والتعليم سابقا- وزارة التعليم الآن- على خطط تعليمية أو استراتيجيات منهجية للارتقاء بمستويات ومهارات الطلبة في التعليم العام، ولا تزال -وبعد مرور السنوات وتعاقب مجموعة من المسؤولين على النظام التعليمي- «القضية التعليمية» تراوح مكانها، فهي على صعيد التعليم العام تخرج طلبة لا يمتلكون مهارات أساسية تتناسب بشكل جيد مع التعليم الجامعي، ولهذا وضعت الجامعات السنة التحضيرية لتهيئتهم بشكل ملائم للمستويات العليا من التعليم، ولكن في كفة المفاضلة لا يتفوق التعليم العالي كثيرا على التعليم العام، فلا يزال يتهم بقوة أنه يخرج أعدادا كبيرة من الطلبة والتخصصات غير متوافقين من ناحية المهارة والتخصص لسوق العمل..
وإذا تجاوزنا قضية التعليم رغم أهميتها إلى نقطة أخرى وهي؛ هل حققت المنظومة التعليمية جزءا يسيرا من خططها المتعلقة بالتربية، وإكساب النشء القيم الإنسانية الأساسية سواء الوطنية أو الأخلاقية، أو استطاعت بشكل ما خلق سمات أو سلوكيات عامة يتسم بها الفرد السعودي؟ خاصة أنه لسنوات طويلة كانت وزارة التربية والتعليم سابقا تردد قضية أن التربية تسبق التعليم في نظامها التعليمي.. عموما هذه القضية رغم خطورتها ليست بجديدة أيضا، الجديد أن هناك خطة شاملة وبرنامجا كبيرا يخص استراتيجية التعليم وهو برنامج «فطن» الذي نسمعه الآن يتناول بكثرة عبر وسائل الإعلام وقد وصف بأنه أضخم برنامج وقائي بالشرق الأوسط لحماية عقول الشباب والارتقاء بمهاراتهم الشخصية والتعليمية..
والآن ونحن أمام هذا المشروع الفكري والتعليمي الكبير نحمل أملا كبيرا يضاهي حجمه الضخم الذي وصف به، خاصة أن الأفكار والبنود التي يحملها وتعرفنا على بعضها ستشكل فارقا مفصليا في حياة الطلبة في حال تحقيقها، نحن أمام مشروع يحاول تقويم أكبر اعوجاج في منظومة القيم الفكرية والاجتماعية؛ تلك التي تتعلق بفكر ومهارات الشباب.. ونحن نحتاج في هذا الصدد لإيضاح أكبر من جانب القائمين على هذا المشروع لنفهم آليته، فلا يزال رغم المعلومات التي ذكرها بعض القائمين عليه غامضا، ونحن نحتاج لمعرفة استراتيجية تطبيقه بشكل فعلي ومفصل أكثر لسببين: الأول حتى نساند وندعم خططه بكل ما يمكننا تقديمه، والسبب الآخر أنه في حال عدم تحققه بالشكل الذي أعلن عنه سنحمل عتبا كبيرا على أولئك الذين أظهروه بطريقة لا تتوافق مع امكانياته.. وإلى أن تتحقق كل الاستراتيجيات التعليمية والتربوية والفكرية في المجتمع بشكل عام علينا أن ندرك أننا لسنا بخير في هذه الناحية قبلا..
نقلاً عن صحيفة "اليوم"