.
.
.
.

مفهومنا الخاطئ للقوة الناعمة

فواز العلمي

نشر في: آخر تحديث:

وسط اختلاط الحق بالباطل وانقلاب موازين الخطأ والصواب، يتمادى الأعداء يوماً بعد يوم في تشويه الصورة الحقيقية للدول العربية، ليثبتوا فشلها الذريع في طرح القضايا وتوضيح المواقف وكشف دهاء الأعداء وإثارة اهتمام الحلفاء. ولعدم ارتباط الإعلام بواقعنا العربي وضعف تنسيقه مع سياساتنا الخارجية، تتمادى أبواق الإعلام الغربي في الإساءة لمعتقداتنا ومبادئنا.
وفي عصر العولمة والمعلوماتية، لن ننجح في التصدي لأعدائنا ومجابهة أكاذيبهم وكشف أساليبهم إلا إذا أتقنا استخدام القوة الناعمة، التي أصبحت اليوم نمطاً أساسياً في كسب العقول وتطويع العواطف وتحييد سلوك الشعوب، نتيجة اتسامها بقوة المواقف وكشف الحقائق، إضافةً لاتساقها مع دهاء السياسة الخارجية وذكاء الإعلام الوطني.
ومما زاد من أهمية القوة الناعمة تنوع أنماطها وتعدد أشكالها وابتعادها عن النمط التقليدي المتمثل بشخصية الوزير الفلاني أو السفير العلاني أو بنشاط بعثته الدبلوماسية. لذا أخذت القوة الناعمة أشكالا عدة، منها دبلوماسية القمة وعقد المؤتمرات بين قادة الدول لمناقشة علاقاتهم المشتركة أو قضاياهم الملحة. كما أخذت القوة الناعمة نمط معالجة الأزمات والتصدي للتحديات التي تواجه الدبلوماسية الدولية، وسعت لإنشاء التحالفات العسكرية والتكتلات السياسية والمعاهدات الاقتصادية.
اليوم أصبحت القوة الناعمة أداة فعالة لزيادة النفوذ السياسي على الصعيد الدولي، وحظيت باهتمام الدول لتأمين سياساتها الخارجية وتطويع حلفائها في المجال الدبلوماسي. ولعل نجاح أميركا في القوة الناعمة كان بسبب وجود أكثر من مليوني طالب أجنبي في جامعاتها و90 ألف باحث أجنبي في مؤسساتها، مع قدرتها على تصدير 66% من الأفلام والبرامج التلفزيونية في العالم وامتلاكها حوالى 23% من القنوات الفضائية العالمية. وأصبحت أميركا تحتل المرتبة الأولى بين دول العالم في إتقان لعبة القوة الناعمة، وتأتي بريطانيا في المرتبة الثانية وفرنسا في المرتبة الثالثة. ومع أن الدول العربية تمتلك 16% من فضائيات العالم، إلا أنها فشلت في تحقيق موقعها ضمن قائمة أفضل 30 دولة في استخدام القوة الناعمة، بينما تأتي إسرائيل في المرتبة الـ26 وتركيا في المركز الـ23.
في كتابه "وثبة نحو القيادة"، الصادر في 1992، كان الجنرال الأميركي المتقاعد "جوزيف ناي" أول من استخدم مصطلح القوة الناعمة، ثم أعاد استخدامه في كتابه "مفارقة القوة الأميركية" الصادر في 2002، ليؤكد على أن هذه القوة أصبحت وسيلة نجاح الدول في السياسة الدولية.
وتُعرَّف القوة الناعمة بأنها القدرة على إقناع الشعوب واستقطاب المواقف والسيطرة على الأفكار والعقول بأساليب دمثة تتميز بجاذبيتها الثقافية والسياسية، للحصول على ما نريده عبر جاذبية طرح المواضيع بدلا من استخدام أساليب قوة الإكراه والدفع القسري. كما أن القوة الناعمة قد تستخدم في كثير من الأحيان لنشر الأفكار الهدامة والمعلومات المغلوطة من خلال وسائل الإعلام، وذلك لزعزعة ثقة الناس في ثوابتهم وتمويه الحقائق وتوجيه الأفكار وتشتيت الأهداف وإعادة ترتيب الأولويات، وفقا لمتطلبات التبعية والانبهار.
في العام الماضي بدأت إيران في التركيز على استخدام القوة الناعمة، فلجأت إلى فتح باب تعليم اللغة الفارسية لتصبح العنصر الأساسي في جذب الشعوب، على اعتبار أنها دخلت في تركيب العديد من اللغات الأخرى السائدة اليوم في العالم كاللغة التركية والهندية والأوردية. كما بدأت إيران في استثمار بعدها الثقافي والتاريخ لدعم السياحة وجذب 20 مليون سائح بحلول عام 2025. وشجعت إيران على انتشار الفنون والاحتفالات والمسرحيات والأفلام السينمائية لنشر الثقافة الفارسية، خاصة أن إيران تمتلك نظاما سياسيا هجينا يجمع بين مفهوم الديموقراطية المخلوطة بالنظم الاستبدادية ليصبح بديلا عن النظم التقليدية المعروفة في العالم.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، طرحت إيران الأيديولوجية الفارسية من خلال دستورها، الذي تضمن في البند الـ16 من المادة الثالثة إشارة واضحة إلى الالتزامات الأخوية والحماية الكاملة لمستضعفي شعوب العالم. وجاءت المادة الـ152 من الفصل العاشر، لتؤكد إيران على أن سياستها الخارجية مبنية على عدم التسلط أو الخضوع، والمحافظة على الاستقلال الكامل ووحدة أراضي البلاد، وعدم الانحياز مقابل القوى المتسلطة، وتبادل العلاقات السلمية مع الدول غير المحاربة.
وعلى المستوى الطائفي، استخدمت إيران أدوات التشيع الديني ومبدأ ولاية الفقيه لتشكّل مركز الجاذبية لنسبة 13% من الشعوب الإسلامية حول العالم، على اعتبار أن السياسة والدين متمثلان في الولي الفقيه المرشد الأعلى، لتقوم هذه الشعوب بشكل طوعي بخدمة مصالح الدولة الفارسية.
ولتنفيذ خططها أطلقت إيران وكالة بث الأنباء الفارسية ودعمتها بأكثر من 30 محطة فضائية محلية و16 محطة خارجية موجهة للعالم العربي و8 محطات أجنبية، وفتحت لها مكاتبها الخارجية التي بلغ عددها 45 مكتبا في أميركا وبريطانيا وفرنسا وماليزيا وإندونيسيا. واستفادت إيران من أساليب القوة الناعمة لزعزعة ثقة بعض الشعوب العربية في طبيعة أنظمتهم القائمة وتشويه صورة القائمين عليها أو إغرائهم بمزايا الأنظمة الأخرى التي تسعى للخلاص والثورة ومحاباة المستضعفين.
على عالمنا العربي إتقان لعبة القوة الناعمة في سياسته الخارجية، لأنها تعدّ اليوم من أهم الوسائل الثقافية والإعلامية المؤثرة في أنماط سلوكياتنا المختلفة بجميع مكوناتها ومدلولاتها، لتشكل هذه القوة أكبر الأثر في أفكار شعوب العالم. ومثلما تقترن الرغبة الشرائية بالقدرة التنافسية في العلوم الاقتصادية، تقترن القوة الناعمة بالقدرة الإعلامية في السياسة الخارجية، لتنهض هذه القوة بأساليبها الدبلوماسية وأدواتها التفاوضية، وتحتل بمكانتها المرموقة أفضل المواقع على الساحة الدولية.

نقلاً عن صحيفة "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.