نحو خطاب سعودي جديد
إشكاليات الخطاب القادر على التعبير عن وجود شعب وتطلعاته والتحديات التي تواجهه، إشكاليات قديمة ارتبط وجودها بوجود الانسان، فعندما نتحدث عن الخطاب يكون الحديث عن الانسان المحكوم بالتغيير، الانسان المسير والمخير معا، مسير بحكم الانتماء لهوية وطنية واحدة، ومخير بالولاء لها هل يخلص او لا يخلص..
الخطاب السعودي مر بعدة تحولات من خطاب منبر الى خطاب صحافة الى خطاب رقمي، فالوسيلة فرضت على الخطاب نزعات من التجديد والتراجع والتحدي والطاعة، عندما كان الانسان يتلقى معارفه من المنبر كان وعيه قريبا لشخص الانسان العابد المحافظ على العبادة وشروطها والممتثل لتوجيهات الخطيب الحريص على تأدية العبادة على اكمل وجه، فالتحدي الذي كان يواجهه تحد روحي بسيط يتطلب شيئا من القدرة التي تمكنه من التغلب على الشهوات، في هذا الخطاب كانت قيم المجتمع هي عبادته، وكانت هويته هي هوية العبادة والطاعة لتوجيه المنبر، فالحديث للعامة لا يتصدى له الا إمام مسجد، وعندما تحول الخطاب من المنبر الى الصحافة دخلت عليه شروط مهنية تنظم اشكال الخطاب وتوقيته ومضمونه، واصبح للخطاب وظائف جديدة غير العبادة مثل صناعة الترفيه، وفرض تعبير وطني واحد للانتماء يحظى بموافقة العموم، فكانت الصحافة تعبر عن وجود وطن ولا تعبر عن وجود مواطنين، لا يعني هذا غياب المواطن كانسان له اهتماماته وحاجاته المطلوب الالتفات اليها وتلبيتها، فقد كان الانسان في السبعينيات الميلادية الى التسعينيات انسانا ذا احتياجات تنموية كبيرة يعبر عنها من خلال سياسات تنموية في السكن والتعليم والصحة والتوظيف فلم يعان كثيرا من هذه الاحتياجات التنموية فهي في الغالب موجودة، فكانت الصحافة تقدم الوطن كضامن اساسي لهذه الاحتياجات، والتصق تجديد الخطاب بالحاجات الترفيهية من مسلسلات ومسابقات المقصود فيها بالاساس الترفيه، خارج اطار الصحافة والاعلام خرج خطاب دعوي تحريضي يختلف كليا عن خطاب المنبر والعبادة في السابق، الى الدخول بصياغة مفهوم جديد للامة، والتركيز على تجاوز المواطنة الى الاخوة في الله، فالانتماء اصبح للخطاب الاممي الذي يركز على تسخير كل مكتسبات الوطن والمواطنة لاجل المشاركة في ايجاد الامة الواحدة العابرة للدولة والمناهضة للقومية العربية، فكان الخطاب حالما اكثر منه واقعيا، بل كان يركز بالاساس على تغييب الواقع الذي يتنكر لوجوده، وهو خطاب متأثر بالاسلام الحركي الذي مازال تأثيره ماثلا الى اليوم ولكنه ليس على شكل حلم كما كان في السابق ولكن كقضية فرض عليها الواقع محاكمة عجزت عن أن تخرج منها.
الخطاب الرقمي خطاب ركز على وجود المواطن وأهمل الوطن، وهذا الشيء مصدره القدرة التقنية المتاحة، وليس نتيجة جدل فكري او سياسي، فالفرد قادر على انتاج خطاب خاص به مع امكانية المشاركة العامه به، فقوة هذا الخطاب تكمن في قدرة الافصاح عن الابداعات الفردية وقضايا الانسان الذي ينتمي لذاته وليس لهويته الوطنية، فالمتابعون بتويتر يتابعون فردا وليس وطنا، وليس بالضرورة يكونون من وطن واحد، والقدرة على تشكيل خطاب رقمي يضمن زيادة المتابعين تقتضي مراعاة انتماء المتابعين ومشاعرهم، لكي يحافظ النجم الرقمي على جماهيريته، في هذا الخطاب تم استبدال مفهوم المواطنين بمفهوم الجمهور المتعدد الهويات وهذا الجمهور يحرص على تمثيل حاجاته اكثر من حرصه على التعبير عن انتمائه الوطني، فالتجديد في الخطاب الوطني يتطلب صياغة المواطنة كحاجة وليس كحلم او انتماء لتراث، والحاجة قد تكون امنية او ثقافية او اقتصادية فليس المطلوب تقديم الامن كانتماء منفصل عن الحاجة اليه، لأن الامن كانتماء فقط سوف يصنع انتماء آخر يقاومه لاغراض ارهابية او حتى خيانات لاطراف خارجية، فإعادة فهم الحاجة للوطن والتعبير عنها هي روح الخطاب الوطني الجديد.
نقلاً عن صحيفة "الرياض"