.. ورحل آخر الساخرين

عبد الله الناصر
عبد الله الناصر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

لست أدري كيف لذلك الرجل الساخر، والمؤنس الأنيس أن يترك في النفس كل هذا الكم من الحزن المرّ الكظيم، كل هذا الألم الذي يجثم على الروح، بشراسة، وقسوة.؟!

رحل عنا الدكتور غازي قهوجي. وهو من الصفوة النادرة بل من صفوة الصفوة، أدبا رفيعا.. وفناً راقياً.. وإبداعا محلقاً صنعته عبقرية لا تتكرر إلا نادرا فهو رحمه الله من أصحاب الفن المحلق، فمسرحياته تكاد تطير بجناحين في فضاء الإلهام.. وهو في فنه الساخر يحلق بقلمه وكلماته في سماء الموهبة الفذة، ليرى الأشياء بعين لا يرى بها غيره.. لم يكن يتعامل مع القضايا الاجتماعية والسياسية، والاقتصادية، والثقافية بالسائد المعتاد من اللغة، أي لغة الخطابة، والرنين.. بل كان يعالج تلك الأحداث، والقضايا والهموم، بسلاح السخرية.. و"قهوجياته الشهيرة" كانت وستظل إحدى ذخائر الفن الساخر في أدبنا العربي، وهي سخرية عفوية غير متزمتة، ولا مفتعلة، أو بذيئة مستهجنة، بل هي تلك السخرية الساحرة السلسة، التي تجعل المشهد أمامك، متحركا حيا، مؤلماً وضاحكاً باكيا في الوقت ذاته.. لقد كان ملهماً، حيث يدهشك بقدرته على تحويل المشهد الضاحك، أو الذي يجعله مضحكا في ظاهره، إلى حالة من المأساوية المحزنة أو المبكية "ضحك يشبه البكاء" ومثل هذا العمل هو من الفن الإبداعي المعقد، المتداخل في تعقيده؛ لأن هذا التعقيد إنما يتمثل ويأتي من سهولة النص ويسره، وبساطته، لذا فهو يذهب إلى أغوار الروح وخبايا النفس، فيبعث فيها ما يبعث من أسى وحسرة، أو فرح مرهق حدّ البكاء.. وهذا ما تعجز عن الإتيان به تلك النصوص، الصلبة أو المتجهمة.. والسخرية هي شيء جوهري وتكوينٍ، وجودي، في حركته ولغته، بل تبدو ملامحها كملامح وجهه في سلوكه التلقائي مع حياته اليومية، في حديثه في جلساته مع أصدقائه.. في قاموسه اللفظي الآني..

لذا تراه يعالج معاناته في صراعه مع العيش، أو الفكر أو الحياة بثقافتها السائدة، وفنها الخاص، بهذا الاكتظاظ الساخر المملوء ألماً، وسحراً بديعا، ومريعا..

وقد كنت عرفت الدكتور غازي منذ قرابة العشرين عاما عن طريق الصديق المشترك الأستاذ الروائي ياسين رفاعية، وكان الأستاذ ياسين يعمل حينها في لندن، وكنا نزور بيروت، في المناسبات الثقافية، والأدبية.. ومنذ أن عرفته، وجدت فيه ذلك الإنسان النبيل النادر في نبله واكتمال روعته، كان شهما، ودوداً، يغريك بالاستمالة إليه، بنقائه، وصفائه، وتلألئه، المتحرك، المبهر..

وكانت علاقتنا تزداد، وتتألق، مع مرور الأيام، ثم صار يتحفنا بمقالاته، المشحونة بالإثارة، والاستفزاز الجميل، ننشرها في المجلة الثقافية التي نصدرها من الملحقية الثقافية بلندن حينما كنت أتولى رئاستها آنذاك.. كان الرجل حينما يكتب وينتج يشعرك بأن بداخله متحفاً فنياً مليئاً بكل اللوحات، والزخرفات، والنقوش الأسطورية، كان بداخله معزوفة ترددها ذرى الجبال، وأصائل القرى، وكثبان الرمل لحظات الغروب..

***

وتشابكت العلاقة به مع عدد كبير من الأدباء السعوديين كالأستاذ عبدالله الماجد والدكتور عبدالله المعطاني والأستاذ حمد القاضي والدكتورة أشجان هندي وغيرهم كثير ولكن كانت أكثر التصاقاً مع من لهم علاقة بلبنان، كالأستاذ محمد العمران، والأستاذ محمد القويز، والدكتور الأديب إبراهيم التركي حيث ترسخت هذه العلاقة الإبداعية متمثلة في مقالاته بالمجلة الثقافية بالجزيرة والتي يرأسها الدكتور ابراهيم..

***

وكان محباً للمملكة، يرى فيها ملاذه الروحي، ومخزونه الوجداني، وامتداده الثقافي العميق وكان يدافع عنها بكل بسالةٍ ومروءة، يجهر بذلك في وجوه كل متصعلكي الكراهية والحقد الذين يحاولون الإساءة إليها.. كان يتحدث بهذا في جلساته الثقافية وفي محاضراته وبالذات تلك التي يقيمها الملحق الثقافي النشط بلبنان الأستاذ مساعد الجراح.. وكانت له زيارات متعددة للمملكة للمشاركة في إعداد المهرجانات الثقافية وإلقاء المحاضرات..

وعندما استزرته للرياض منذ ثلاث سنوات، لاستشارته الفنية، في الأمور الإخراجية لمشروعي الثقافي: "أودية الشعر" وذهبنا إلى بعض المناطق والأودية أخذته الدهشة لتلك الأمكنة بنبضها التاريخي الثقافي.. وقد راعته منطقة "تبراك" وهي من الأماكن التي كان يقطنها الصمة القشيري.. فقد أذهله جمال واحات الاخضرار، وغابات النخيل وحقول القمح وسط الرمال، وبين الكثبان والوهاد الجبلية وقال: لم أر في حياتي منظراً أخاذا بهذا السحر وبهذا التشكل الفريد، وسط الصحراء.. ووقف طويلاً أمام جبل "معانيق" محاطا بالرمل والخضرة، وقد كسته حمرة الأصيل فقال وهو ينصرف عنه وكأنه يودعه : لله درّ الصمّة حين قال:

وأذكرُ أيّام الحِمى ثم أنثَنِي

على كَبدِي من خشيةٍ أن تصّدعا

فليست عشياتُ الحمى برواجعٍ

عَليكَ ولكنْ خلّ عينيك تدمعا

***

وفي الأشهر الماضية دعاه الدكتور سعد مارق، للمشاركة بنص مسرحي في سوق عكاظ عن الشاعر لبيد بن أبي ربيعة، وقد أرسل نصا من أروع ما قرأت، ولكن لأسباب وقتية، ولمرض الدكتور غازي، لم يخرج المشروع.. وفي أيامه الأخيرة، كنت اتصل به للاطمئنان عليه، وكان مؤمنا محتسبا، بل كان يضحك بسخرية من مرضه وكأنه في كامل عافيته.. وكانت آخر مهاتفة بيننا قبل رحيله بأسبوع تقريبا، وآخر رسالة منه كانت عبر الإيميل حول كتاب الأستاذ عبدالله الماجد وهو كتاب نقدي عن مجموعاتي القصصية..

وبعد لست أدري ماذا أقول سوى الاتجاه للحي الذي لا يموت بأن يغفر له، ويكتبه مع الصديقين والأبرار، وأن يلهم أبناءه وجميع أسرته، وأصدقاءه خالص العزاء.. وأشهد أن الساحة الثقافية العربية فقدت عملاقا كبيرا بغيابه ورحيله..

نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.