.
.
.
.

إرادة الحياة

كوثر الأربش

نشر في: آخر تحديث:

يبدو أن تحقيق ما تريد يحتاج للتحديات، هكذا يبدو؛ لكن الحقيقة أن تحقيق الإرادة أسهل من الإرادة نفسها. الإرادة حدوث من العدم، لا يوجد عقار أو وصفة تخلق لديك إرادة، الإرادة تنبع بشكل ذاتي، إنها لغز أسرف التربويون والدعاة أعمارهم لبذرها في وعي الأطفال والشباب والشيوخ أيضاً. التلميذ الذكي يحل فروضه المدرسية لكن قبل ذلك لابد أن يمتلك الرغبة لذلك. لهذا ثمة تلميذ ناجح وآخر غير ذلك.

ليس لأن الذكاء يختلف بالضرورة، بل لأن الإرادة تختلف. ربما هناك من يساعدك في تحقيق إرادتك، أو يزيح عنها غبار اليأس والإحباط، لكن أحدا لن ينجح في جعلك تريد، الإرادة جهد ذاتي، ومخلوق جواني أنت حاضنه.

أنت فقط من يبذره ويعتني به. إرادة أن تبقى حياً ومنتجاً، حتى لو كان محيطك مُـحبِطاً، حتى وإن تضاعفت احتمالات الموت. إن مقاومة الموت هي أعظم الإرادات وأكثرها قوة. أن تكافح الظروف الحالكة لتبقى يوماً إضافياً في الحياة.

في «The Martian» فيلم الخيال العلمي، الذي حصد أعلى إيرادات الشباك مؤخراً، يحكي قصة رائد فضاء ناجٍ من مركبة فضائية ظلت الطريق في المريخ، بقي وحيداً، ومصابا بطعنة في خاصرته من أحد الأسلاك النافرة. رغم أن الموت كان ينتظره يومياً إلا أنه تمكن من توظيف علمه، استخدام أقصى لكل الموارد البسيطة المتاحة له، ليعيش. كان أغربها، زرع البطاطا باستخدام سماد طبيعي، مستفيدا من فضلاته! إنها أرادة الحياة!

في رواية «تلك العتمة الباهرة» يقول أحد الناجين من سجون تزمامات، وهي عبارة عن حفرة معتمة، الهواء يدخلها بقدر ما يبقي المساجين على قيد الحياة.

يقول: (حتى وأنا ميت، أو بالأحرى حين أعتبر ميتاً من قبل أسرتي، كان ينبغي أن أسلك الدرب المؤدي للبيت، بلا حنين، وبلا مشاعر. كيف أطمئن أمي، كيف أقول لها إني أصارع وأقاوم؟ كيف أفهمها أن إرادتي في أن أبقى واقفاً بكرامتي، إنما ورثته عنها) ويقول: (لكي ننجو ينبغي أن نكف عن الرجاء، وميزة هذا الاقتناع، أنه لا يشبه شيئًا مما يقتنع به من رموا بنا في تلك الحفرة، لم يكن مرهوناً بخطتهم بل فقط بإرادتنا: رفض أن نكون مرهونين لعادة الأمل التالفة تلك). إن مقاومة ما يقوله الآخرون من أنك ستفشل، ستموت، ستخسر. تلك الأصوات التي ستثنيك عن تجربتك الخاصة، عن مقاومتك، عن خيارك لا خيارهم، تلك هي الإرادة.

الأبطال الذين خلدهم التاريخ، كانوا يقاومون أصوات اليأس من حولهم، أو تلك التي توسوس داخلياً، في صراع مرير، وقاس، بين اللا والنعم، بين أستطيع، ولا أستطيع. كل الذين نجحوا في النجاة أو الاختراع، يمتلكون إرادة لا تشبه إرادة الآخرين. إرادة الحفاظ على شعلة الإرادة!

نقلاً عن صحيفة "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.