أخطاء مطبعية تفضح سارقي الكتب

ناصر الحزيمي
ناصر الحزيمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

قبل أيام تطرق الصديق العزيز د. رشيد الخيون الى سرقة جديدة تعرض لها من قبل أحد ممارسي هذا الفعل المشين، ففي جميع العصور ومنذ أن عرفت الكتابة والتدوين وسرقة الجهود العلمية موجودة ومزدهرة أحياناً.. كما هو حادث في أيامنا وأنا أقول إنها مزدهرة هذه الأيام خصوصاً لأنها بالآلاف وقد كان هناك مشروع "موسوعة السرقات العلمية" بذل فيها الأموال كمكافآت لمن يكتب عن سرقة علمية فتجمع لدى هيئة تحرير هذا المشروع آلاف السرقات المجازة للنشر في الموسوعة وتمت في عدة مجلدات كبيرة ولم تر نور النشر لأسباب مجهولة وقد كنت مشاركاً فيها بكشف سرقة قام بها أحد المتطفلين على التراث.

ولأن لصوص الكلمة هم غالباً محدودو الجهد العلمي ولا يتمتعون بسمة الصبر والمثابرة تجدهم يقعون في أخطاء مضحكة حيناً وقاتلة حيناً آخر وسأضرب مثلاً صغيراً حدث قبل فترة يسيرة من هذا العام أن نشر في جريدة الحياة مقالة تحت عنوان ((حرق الكتب في التراث العربي الإسلامي)) لكاتبها علي عفيفي علي غازي فرد عليه الصديق الدكتور رشيد الخيون وأوضح له أن مادة هذه المقالة مأخوذة بمجملها من من كتاب ((حرق الكتب في التراث العربي)) لمؤلفه ناصر الحزيمي وأنك لم تشر الى المرجع فرد عليه كاتب المقالة علي عفيفي علي غازي وتعذر بأن هذه مجرد مقالة صحفية ولا مجال لذكر المراجع والمصادر وقال إنه رجع الى كثير من الكتب وعدد أسماء كتب سبق وان ذكرت في كتاب حرق الكتب وهي طبعاً كتب مشاعة للجميع ولا مشاحة وذكر انه بحث وأضناه البحث ثم قال: ((بعد هذا البحث الطويل والمضني والشاق لم أعثر على أي جديد.. لا أنكر أنني اعتمدت فيه على كتاب الحزيمي بخاصة في الجزء الأول منه، والذي يوضح فيه أسباب انتشار ظاهرة حرق الكتب في التراث العربي والإسلامي..)) ثم قال: ((أما أسماء الذين أتلفوا كتبهم، والاقتباسات الخاصة بهم، فإنني لم أنقل نصاً عن الحزيمي، وانما رجعت كما سبق وذكرت إلى متون الكتب الأمهات ونقلت عنها...))

حقيقة أنا اعجب من محاولة السيد علي عفيفي علي غازي المستميتة إصلاح الخطأ بكذبة مع اعتذاري له ولكن لا يوجد وصف ادق من ذلك فهو يقول انه لم يأخذ من كتاب حرق الكتب الا القسم الأول أي القسم الذي يوضح فيه الكتاب أسباب انتشار ظاهرة حرق الكتب أما القسم الخاص بأسماء العلماء الذين اتلفوا كتبهم فهو محصلة جهده واطلاعه وبحثه ولم ينقل عن الحزيمي فيه أي نص، كان من الممكن ان نمرر مثل هذا القول ونصمت لولا أن الكذبة فضحها خطأ مطبعي غير مقصود جاء في كتاب حرق الكتب في القسم الخاص بأسماء العلماء الذين اتلفوا كتبهم جاء في مقالة علي عفيفي علي غازي ((الحافي بشر بن الحارث بن عبدالرحمن بن عطاء.. المتوفى سنة 667 هجرية قال عنه الخطيب البغدادي..)) هنا خطأ مطبعي لم ينتبه له كاتب المقال وهو سنة وفاة الحافي وهو نفس الخطأ المطبعي الموجود في كتاب حرق الكتب هل أنا هنا احتاج الى تعليق، والغريب ان السيد الكاتب لم ينتبه الى اني ذكرت في كتاب حرق الكتب سنة ميلاد بشر الحافي 152 هجرية فهل تعقل مثل هذه الغفلة وهل يعقل ان من توفي سنة 667 هجرية يترجم له صاحب كتاب الطبقات الكبرى أو حلية الأولياء أو تاريخ بغداد توفي الحافي سنة 227 هجرية، ولك أن تتأمل.

الحالة الثانية من حالات الخطأ المطبعي الذي يكشف المستور هي أنه في سنة 1996م أصدر الدكتور محمود اسماعيل كتاباً بعنوان "إخوان الصفا رواد التنوير في الفكر العربي" وهو بحث حول جماعة اخوان الصفا تلبست من خلاله الدكتور اسماعيل حالة من الفكرة المهيمنة والتي سبقت عنده المعطيات المرجعية وما تقوله المصادر ولن أتكلم هنا حول هذه الحالة وانما سأقصر القول على نقل وتنصيص الدكتور اسماعيل لكلام ابو حيان التوحيدي حول جماعة اخوان الصفا وكما هو معروف أن كلام التوحيدي هو أقدم نص نقل حول هذه الحماعة بل أن كل من يدرس هذه الجماعة لابد وأن يمر عليه وينقل عنه وقد ذكر كلام التوحيدي في كتابين له وهما كتاب الإمتاع والمؤانسة والمقابسات وهما مطبوعان ومتوفران في سوق الكتب وحتى لا أطيل سوف أنقل النص الذي نقله د. اسماعيل اذ يقول أبو حيان التوحيدي ((إخوان الصفا جماعة سرية نشأت في البصرة، ولها فروع في أكثر البلاد، أسسها زيد بن رفاعة الذي أقام بالبصرة.. وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علمها وعملها، وسموها رسائل أخوان الصفا، وكتبوا فيها أسماءهم وبثوها في الوراقين، ووهبوها للناس)).

وفي الهامش ذكر د.اسماعيل مصدره فأحال عليه وهو الإمتاع والمؤانسة وذكر الجزء والصفحة وتاريخ الطبع ولكن هل قال التوحيدي ما نصص عليه اسماعيل في الحقيقة أن ما نصص عليه اسماعيل لم يقله التوحيدي وهو غير موجود بهذه الصورة في كتاب التوحيدي بل هو نص مأخوذ عن ظهر الإسلام لأحمد أمين وقد وقع في نص احمد أمين خطأ مطبعي فاضح وهو قوله "وكتبوا فيها أسماءهم" وهو خطأ مطبعي واضح للعيان والصحيح كما جاء في الإمتاع والمقابسات هو قول التوحيدي "وكتموا أسماءهم" فكتموا عند التوحيدي تحولت الى وكتبوا أسماءهم ولو أن اسماعيل تعامل مع هذا الخطأ كخطأ مطبعي لصمتنا لعموم بلوى الأخطاء المطبعية ولكنه تعامل مع الخطأ على أنه من قول التوحيدي ولذلك مبحث آخر، ولكن من أين جاء هذا الخطئ المطبعي جاء هذا الخطأ المطبعي من كتاب ظهر الإسلام الذي نقل عنه د.اسماعيل واغفل ذكره من غير أن ينتبه اسماعيل الى أن احمد امين لم ينصص الفقرة المنقولة من كلام التوحيدي لأنه لم ينقلها بنصها وكما هو معروف أن احمد أمين يتصرف في النص من حيث التقديم والتأخير للفقرات لهذ يجب على الباحث أن يكون حذرًا في النقل عنه والغريب أن اسماعيل قد أعاد تلفيق الملفق مسبقاً وهذا من عجائب البحث.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.