الضيفات الهاربات

لمياء باعشن
لمياء باعشن
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

الضيافة والهروب مفهومان متناقضان تمامًا، فالضيف ينزل على المستضيف الذي يكرمه، ويحسن الترحيب به لوقت، ثم يرحل برغبته، والمضيف يعرف أن مَن حلَّ عليه ضيفًا سيبقى لفترة وجيزة، وسيودّعه وهو يغادر بإرادته. ما الدافع لهروب الضيف إذًا؟ غير أنّه ما عاد ضيفًا، بل أصبح سجينًا يتوق للمغادرة؛ لأنه في حالة استبقاء قسرية!
حين أطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية مشروعها المسمّى «دار الضيافة»، كان الهدف منه إسكان الفتيات اللواتي أنهين فترة سجنهنّ، في ظل ظرفين مهمّين: أن يكون السكن اختياريًّا، ذلك أن بعض الفتيات كنّ مرعوبات من العودة إلى بيوت أهاليهنّ، فيتعرضنّ للإهانة والإيذاء، وأن يكون السكن مؤقتًا، أيّ أن يشكّل فترة انتقالية بسيطة، تؤهّل الفتاة المُفرج عنها للدخول في معترك الحياة مرّة أخرى.
لكن كل الأمور تبدأ بفكرة جيدة، ونيّة حسنة، فبعد إنشاء دار الضيافة للفتيات، وبعد تطبيق الفكرة، ظهرت العقبات التي شوّهت الفكرة، وأساءت إلى النيّة، فلا السكن اختياري، ولا هو مؤقت. بعد أن تقضي الفتاة المدة المحكوم عليها بها في السجن، وتتطلّع إلى اليوم الذي تخرج منه لتتنسّم هواء الحرية والانطلاق من القيود، تقف أمام الباب الموصد في وجهها لسنوات، ويهفو قلبها وهي ترقبه يُفتح شيئًا فشيئًا، وتسير نحوه وهي لا تكاد تصدّق أن كابوس السجن قد انتهى. ولكنها حين تخطو أولى خطواتها في الخارج تُصعق حين ترى أنها ما زالت محاطة بأشخاص يقودونها لمقر آخر، ويودعونها تحت رقابة شديدة في سجن آخر اسمه «دار الضيافة»!
في السجن الاستضافي تبقى الفتاة تحت الإقامة الجبرية، فقط لأنها فتاة، حتى يقتادها رجل ذو أهلية، ويكون لها كفيلاً، وكأنها وافدة في بلدها. الرجل لا يُشترط وجوده حين يُطلق سراح المسجونين من الشباب، فقط لأنهم ذكور، ذوو أهلية، بينما الفتاة تحتاج لرجل من أهلها يحمل عبئها، أو رجل غريب يتبرع بأن يكون زوجًا تستظل به.
إن دار الضيافة والشؤون الاجتماعية لا تريدان حقًّا الإبقاء على الفتيات تحت رعايتهما الدائمة، لكن إصرارهما على أن يكون هناك ولي أمر يستلمهنّ، وكأنهنّ عهدة، يجعل البائسات اللواتي ترفض عوائلهنّ استلامهنّ، وتعضلهنّ بالامتناع عن الموافقة على زواجهنّ، قابعات لسنوات في السجن الاستضافي الذي يؤويهنّ (ويضعهنّ تحت الرقابة، ويحاصر تصرفاتهنّ، ويمنع خروجهنّ خوفًا من هروبهنّ).
والهروب من الاستضافة بعد الخروج من السجن جنحة جديدة، بل إن ارتكابه يقارب الجريمة التي تستدعي استنفار الجهات الأمنية، والمطاردة، والملاحقة، والقبض، والإعادة، ثم البلاغ والتحقيق، وكشف الملابسات. كل هذا لأن المُفرج عنها بعد انتهاء محكوميتها، وبعد أن دفعت ثمن خطئها وتعلمت درسها، قد اختارت أن تنهي فترة الضيافة المؤقتة، وتمارس حياتها الخاصة والطبيعية بعيدًا عن القيود والأسوار والرقابة، لكنها لم تكن تعي أنها مجرد امرأة لا مفر لها من سلسلة الاستضافات.

*نقلاً عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.