تعدد مصادر الدخل أصبح خياراً استراتيجياً ملحاً لا مناص منه

حمد اللحيدان
حمد اللحيدان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
11 دقيقة للقراءة

أثبتت الايام والاحداث والمتغيرات واسعار البترول ان الاعتماد على مصدر شبه واحد للدخل خطأ استراتيجي فادح ولهذا اصبح تعدد مصادر الدخل من اهم الاهداف التي كانت وما زالت وسوف تظل اولوية قصوى تسعى المملكة من اجل الاخذ بها؛ ذلك ان اعتماد المملكة على البترول كمصدر اول وشبه وحيد للدخل وبما يصل الى (90%) من مجمل الدخل العام للمملكة يشكل خطرا استراتيجيا يجب تصحيحه.

تعتبر السياحة من اكبر مصادر الدخل لكثير من الدول والمملكة واحدة من الدول الاكثر جذبا للسياحة خصوصا السياحة الدينية التي تعتبر من اكبر وسائل الجذب على الاطلاق لعموم المسلمين الذين يبلغ تعدادهم اليوم ما يربو على (1,2) مليار مسلم فلو تم التركيز على هذا الجانب وحده لكفى فما بالك بفتح ابواب السياحة للعموم

وقد كانت الكتابة والمطالبة بهذا التوجه ذات شجون الا أن الدخل الجيد للبترول في السنوات الماضية كان كفيلا بجعل الاهتمام بهذا الموضوع لا يأخذ الاولوية القصوى. اما وقد انحدر سعر البترول بنسبة تزيد على (50%) من سعره في اوائل عام (2014)م فإن هذا القى بظلاله على دخل الدولة وبالتالي يلقي بتبعاته على الميزانية العامة والتي سوف ينعكس اثرها هذا على الفعاليات المناطة بها، وهذا اثبت بما لا يدع مجالا للشك اهمية الاتجاه بسرعة قصوى نحو العمل على تعدد مصادر الدخل وبدء العد التنازلي لجعل دخل البترول يأتي في المرتبة الثانية او الثالثة من خلال خطة خمسية او عشرية على ابعد الحدود وذلك لأنه:

اولا: البترول يخضع للتقلبات السعرية التي يمكن ان تؤثر او تتلاعب بها اطراف عديدة كما هو حاصل الان والذي اصبحت تعاني منه جميع الدول المعتمدة على البترول كمصدر وحيد او شبه وحيد للدخل.

ثانيا: تطويع البترول والغاز الصخري اثبتا انهما منافس قوي للبترول والغاز الاحفوري وسوف يصبحان اقدر على المنافسة الشرسة اذا تمكنت عمليات البحث والتطوير من خفض تكلفة انتاجهما وهذا الامر اصبح شبه مؤكد خصوصا ان انخفاض اسعار البترول سوف يوفر مبالغ ضخمة يمكن ان توجه الدول المتقدمة جزءا منها نحو مجالات البحث والتطوير، وهذا عكس ما كان مؤملا من ان انخفاض اسعار البترول الاحفوري سوف يقف حجر عثرة امام انتاج البترول الصخري على الرغم من ان ذلك صحيح على المدى القصير جدا. اما على المدى البعيد فسوف يفاجئوننا بزيادة عدد منصاته وتدني اسعاره كما فاجئونا من قبل بظهوره المفاجئ كمصدر واعد من مصادر الطاقة.

ثالثا: ان البترول سلعة ناضبة حيث تشير افضل التقديرات ان عمره الافتراضي لن يزيد على (80)عاما.

رابعا: العمل على تصدير البترول مكررا الى مشتقاته الرئيسة ذلك ان تصدير مشتقات البترول سوف يكون لها اسواق اوسع من ناحية، وسوف تكون اكثر عائدا من ناحية اخرى وهذا الهدف هو ما اعلنت شركة ارامكو عن التوجه لتبنيه واضعة بعين الاعتبار ان يتم تكرير ما يصل الى (9) ملايين برميل يوميا راجين ان يكون ذلك على المدى القصير ناهيك ان التوسع في تصنيعه كمنتجات بتروكيماوية نهائية وليست اساسية او وسيطة فقط ودعم ذلك من خلال اقامة صناعات وطنية بمشاركة اجنبية تعتمد على تلك المنتجات على ان يصاحب ذلك عقد اتفاقيات مع شركات صناعية عالمية لامدادها بما تحتاج اليه من تلك المنتجات النهائية وهذا بالتالي يساعد في الحصول على اكبر عائد وذلك بدلا من تصدير البتروكيماويات الاساسية او الوسيطة والتي تصنع في الدول المستوردة الى منتجات نهائية يعاد تصديرها الينا مرة اخرى كمعدات او اجهزة او سيارات او قطع غيار او ادوات كهربائية او غير ذلك من المنتجات التي اصبحت تعتمد اعتمادا شبه كلي على تلك المنتجات في اجزائها وتركيباتها المختلفة مع المغالاة بالاسعار وبالتالي ندفع اضعاف ما كسبناه من تصديرنا المواد الاساسية والوسيطة.

نعم هناك توجه للاخذ بالخيارين الاخيرين الا اننا نحتاج الى التوسع فيهما كما ان هذا التوجه يحتاج الى التسريع وتبني استراتيجيات تجعل الاقبال عليه داخليا وخارجيا مضمونا وفي مقدمة ذلك عقد اتفاقيات شراكة مع الشركات الصناعية الاجنبية خلال مراحل التصنيع المختلفة وخلال مراحل التصدير وذلك لتلافي تقلبات الاسواق فالشركات الاجنبية الشريكة تضمن تسويق منتجاتنا في الدول التي تنتمي اليها تلك الشركات. وهذا يعني الاهتمام بتوسيع خارطة انتماء تلك الشركات وتعدد جنسياتها.

اما مصادر الدخل البديلة للبترول التي يمكن ان نطرقها فهي عديدة لكنها تحتاج الى مبادرات رائدة وتوجه صادق وادارة ناجحة متخصصة وقبل ذلك وبعده عدم الاصغاء الى اصوات المحبطين الذين يقفون حجر عثرة امام كل توجه ايجابي من خلال التقليل من شأنه او الضرب على وتر اننا دولة صحراوية قليلة المياه وشحيحة الموارد والامطار وبالتالي نستسلم.

هذا وقد ضربنا في عدة مقالات سابقة امثلة كثيرة للدول التي عانت وتعاني من صعوبات اشد وانكى مما لدينا ومع ذلك شقت طريقها رغم ما ينتابها من صعوبات متسلحة بالعزيمة والاصرار بعد تحديد الهدف.

وفي هذا السياق لعل من اهم الاسئلة التي يمكن ان نواجهها هي: ما هي مصادر الدخل البديلة المتاحة والتي يمكن ان نخوض غمار التوسع فيها او توطينها واستغلالها؟

والجواب سهل ممتنع ذلك ان بلادنا بمساحتها الشاسعة وتنوعها الطوبوغرافي والامتداد الطويل لسواحلها على كل من البحر الاحمر والخليج العربي غنية بعدد كبير من الفرص الاستثمارية القائمة والواعدة ولعل تفعيل استثمار ما هو قائم بالفعل من خلال التوسع فيه بصورة ممنهجة ويأتي في مقدمة ذلك صناعة السلع التي قطعت المملكة شوطا مميزا في هذا الاتجاه فمما لا شك فيه انه يوجد في المملكة الاف المصانع والمدن الصناعية ناهيك عما تحتويه قلاع الصناعة السعودية في كل من الجبيل وينبع ورأس الخير ووعد الشمال وهذا يعني ان التوسع فيما هو قائم تكون له الاولوية وذلك من خلال الاتجاه الى الاستفادة القصوى من تلك الصناعات بالاضافة الى الالتفات بصورة جدية لدعم تطوير الاستثمار في كل من:

منتجات النخيل التي بلغ عددها في المملكة حتى الان ما يربو على خمسة وعشريين مليون نخلة تنتج ملايين الاطنان من التمور المتميزة ومثلها او اكثر من مخلفات الالياف والخشب والسعف وغيرها من المنتجات الاخرى التي لو تم الالتفات اليها بحثا وتطويرا وتصنيعا وتسويقا واستثمارا لشكلت منتجاتها بترولا اخضر بديلا للبترول الاسود.

هذا وقد اقترحت في عدة مقالات سابقة انشاء شركة تهتم بالصناعات الزراعية وفي مقدمتها منتجات النخيل وذلك على غرار شركة سابك المعنية بمجال البتروكيماويات.

وهنا ربما تأتي اسطوانة شح المياه والتي تعتبر حقيقة وظلت تشكل حجر عثرة امامنا والرد عليها انه تحد كبير نواجهه لكن الارادة والتصميم والعلم والعمل كفيلة بالتصدي لتلك الصعوبة الكأداء على ان نبدأ بما هو متيسر من خلال العمل على التوسع في عملية اعادة تدوير مياه الصرف الصحي الذي يعني اننا نستطيع ان نستخدم الماء المتاح اكثر من مرة هذا من ناحية وتبني برنامج استراتيجي لحصد مياه الامطار في كل المناطق وذلك يمكن ان يتم من خلال العمل على توجيه مياه الامطار الى الاحواض الحاملة للمياه الجوفية التي انخفض منسوب الماء فيها او من خلال بناء خزانات استراتيجية في الاماكن التي لا يمكن اقامة سدود فيها.

اما في المناطق التي يتم جمع مياه الامطار فيها من خلال السدود فلا بد من التوسع فيها على ان تتم الاستفادة من التقنية الحديثة التي تمنع تبخر المياه من خلال تغطية سطح السدود بواسطة كرات البلاستيك السوداء التي بدأ تعميمها في اميركا لمقاومة تبخر البحيرات هناك.

ليس هذا فحسب بل ان استثمار مياه البحر في زراعة النخيل وغيرها من المحاصيل مثل القمح والشعير والاعلاف يمكن ان يتم اما بصورته كما هو او بعد خفض نسبة الملوحة فيه وهذا الامر يمكن ان يوكل تجريبه الى الشركات الزراعية مع ايجاد الحوافز التي تشجعها على ذلك مثل منح كل شركة مساحة كبيرة من الارض محاذية لشاطئ وتقديم حوافز لمنتجاتها التي تعتمد على المياه المستمدة من البحر وفي مقدمة ذلك التمر والقمح والاعلاف وغيرها.

اما المصدر الثاني الذي من المؤكد ان مملكتنا تملك النصيب الاوفر منه فهو التعدين الا اننا ما زلنا نتعامل معه على استحياء من خلال اناطة هذا الامر بشركة واحدة او اثنتين بينما تعدد مصادر الدخل يقتضي فتح الباب امام المستثمرين في مجال التعدين وفقا لانظمة وقوانين وضوابط مرنة ومحددة ومشجعة وضامنة.

فالحديد والذهب والنحاس والبلاتين والالمنيوم وحتى اليورانيوم يشكل كل منها مصدر دخل فما بالك بها مجتمعة كما ان صناعة الاسمنت من الصناعات الواعدة اذا اخذنا بعين الاعتبار ان بعض دول المنطقة مثل العراق وسورية واليمن وغيرها بحاجة ماسة الى هذه السلعة الاستراتيجية عند اعادة الاعمار بعد ان يعود الاستقرار اليها ان شاء الله ناهيك عن المشروعات الجبارة التي تخوضها المملكة في جميع المجالات على مدار الساعة. كما ان حماية السلعة من منافسة المستورد لها اهمية كبرى في تشجيع التوسع فيه.

اما المصدر الثالث فهو النقل بصوره المختلفة الجوي والبحري والبري فالمملكة واسطة العقد بين دول العالم ودول المنطقة ولهذا فهي الانسب والاقدر على ذلك فالنقل الجوي اثبت انه مجال ناجح للاستثمار وخير شاهد على ذلك تنافس الدول على الحظوة بامتلاك افضل الاساطيل الجوية وافضل وسائل الجذب المقرونة بتوفير افضل انواع الخدمة لاكبر عدد من المسافرين ولعل من امثلة الدول الناجحة في الاستثمار في هذا المجال كل من تركيا ودولة الامارات ودولة قطر وغيرها من الدول التي تملك المملكة مقومات افضل منها وفي مقدمة ذلك احتضان المملكة للحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة بالاضافة الى المشاعر المقدسة والمواقع التاريخية والاثرية ناهيك عن توسط المملكة بين قارات العالم ودوله شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.

ليس هذا وحسب بل ان المملكة يمكن ان تلعب دورا رئيسيا في مجال النقل البري والبحري فالمملكة سرة الشرق الاوسط وسرة العالم الاسلامي وسرة العالم اجمع وملتقى طرقه ومواصلاته واتصالاته بكل تفاصيلها.

تعتبر السياحة من اكبر مصادر الدخل لكثير من الدول والمملكة واحدة من الدول الاكثر جذبا للسياحة خصوصا السياحة الدينية التي تعتبر من اكبر وسائل الجذب على الاطلاق لعموم المسلمين الذين يبلغ تعدادهم اليوم ما يربو على (1,2) مليار مسلم فلو تم التركيز على هذا الجانب وحده لكفى فما بالك بفتح ابواب السياحة للعموم فالمملكة تملك من مقومات ووسائل الجذب السياحي سواء في مجال الاثار او المواقع التاريخية او مضارب الفرسان والشعراء والسواحل والصحاري وغيرها فالتنوع الطوبوغرافي له فعالياته التي يمكن تنشيطها وكل ذلك يجعل المملكة في المقدمة.

ولا شك ان جهود الهيئة العليا للسياحة والاثار تصب في هذا الاتجاه طبقا لدراسات وخطط طموحة الا انها تحتاج الى تسريع ذلك ان المنافسة في مجال الجذب السياحي حامية الوطيس.

ليس هذا وحسب بل لا بد من العمل على توطين السياحة محليا وأعني بذلك رفع مستوى وسائل الجذب السياحي محليا بحيث تستطيع ان تجذب اكبر عدد من السياح المواطنين الذين يصرفون مبالغ طائلة خلال سياحتهم في الخارج والتي تقدر بعشرات ان لم نقل مئات المليارات من الريالات. ناهيك عن ان السياحة من اكبر الابواب المشرعة لفتح فرص العمل في مجالاتها المتعددة.

اما النوع الثاني من الصناعات التي نحتاج الى ان نتوجه اليها بقوة فيتمثل في صناعة الخدمات فهو احد مجالات الصناعة التي تشكل جزءا لا يتجزأ من الاقتصاد حيث يهتم هذا الجانب بإنتاج الخدمات بدلا من السلع الملموسة.

ويشمل ذلك الخدمات المصرفية والاتصالات وتجارة الجملة والتجزئة بالاضافة الى جميع الخدمات المدنية مثل الهندسة والبرمجيات والطب والخدمات الحكومية. وهذا الموضوع يحتاج الى مقال مستقل.

والله المستعان

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.