.
.
.
.

فضول سياسي

محمد الطميحي

نشر في: آخر تحديث:

الفضول، وحب المعرفة، جزء من تركيبة الإنسان التي قد تدفعه للتجربة والاكتشاف، وهو ما أدى إلى تكوين جانب كبير من المخزون الثقافي والمعرفي للإنسانية.

يبقى الفارق هو تحويل هذا الفضول إلى المسار الصحيح حتى لا يتحول إلى مجرد وقت ضائع أو وسيلة للتطفل على حياة الناس أو التدخل في شؤونهم الخاصة.

الصحفيون والعاملون في مجال الإعلام يدركون جيداً أن الفضول هو واحد من أهم الصفات التي تميزهم، فهو ما يدفعهم إلى ملاحقة الحدث في سبيل الحصول على المعلومة دون أن ينعكس ذلك على حياتهم اليومية، فالمسألة مهنية بحتة ومنضبطة بقيم وقوانين نشر تمنعهم من الاعتداء على خصوصية الآخرين أو الانتقال إلى الحالة المرضية لهذه الصفة.

قديماً كان الفضول المرضي أو (اللقافة) أشبه بدائرة مغلقة محصورة في جماعة من (الحشريين) الذي يتبادلون بينهم الدردشات وأسرار وفضائح الناس والمشاهير، أما الآن ومع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي فقد اختلف الأمر واتسعت الدائرة لتصل إلى الصعيد الإقليمي والدولي من خلال ملايين المتابعين في محيط غير منضبط رغم القوانين المحلية وسياسات الخصوصية والمسؤولية التي تعتمدها تلك المواقع.

في فترة ما كان هذا النوع من التواصل فرصة لمناقشة العديد من القضايا والمشاغل الوطنية بجرأة ومساحة أكثر عن تلك التي توفرها وسائل الإعلام التقليدية، كما شكلت مؤشراً لقياس الرأي العام في ظل غياب المراكز المتخصصة في دراسة الجمهور، كان ذلك قبل انتشار الحسابات الخارجية المزورة التي تتخفى وراء أسماء وهمية مع صور وأسماء قبائل سعودية للتأثير في توجهات المجتمع والإساءة للوطن وحكومته وقيادته.

هنا تتحول التصرفات الفردية إلى ظاهرة، والمطالبة بتوفير السكن أو تحسين الخدمات العامة إلى حالة من الغضب والسخط، والعلاقات المتميزة مع الدول الشقيقة والصديقة إلى أزمة دبلوماسية أو حالة من عدم الرضا الشعبية المفتعلة عن هذه العلاقة.. وهنا تتخذ المسألة أبعاداً أخطر.

الخطورة ليست فقط في الأسماء الوهمية العابرة للحدود بل في الشخصيات المحلية المعروفة التي تشارك في تقسيم المجتمع من خلال تناول قضايا (داخلية) لدول أخرى بالشكل الذي يتعارض مع الموقف الرسمي والمعلن للمملكة.

تلك الشخصيات هي من تساهم في إضفاء نوع من القابلية والجاذبية لتلك النقاشات التي يستغلها الأعداء لإظهار مواقف مغلوطة تتناقلها بعض المواقع والصحف الدولية كما لو أنها تمثل الرأي الشعبي للمواطن السعودي.

الموقف من جماعة الإخوان والرئيس السيسي، الانتخابات التركية وفوز أو خسارة حزب أردوغان، العلاقة مع الشقيقة الإمارات وطريقة إدارة المعركة في اليمن، حماس أو حركة فتح، أو حتى بناء معبد أو كنيسة في دولة خليجية كلها قضايا بعيدة عن همومنا المحلية ولكنها تتصدر المشهد لدينا وكأنها قضايا مصيرية بالنسبة لنا! فلماذا كل ذلك وهل يعقل بأنّ ما يجري من تحزب وجدل مجرد (لقافة سياسية)؟

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.