تأثير الأربعة

فهد عامر الأحمدي
فهد عامر الأحمدي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

جميعنا يعتقد أنه مستقل بأفكاره، حر بقراراته، منفصل باستنتاجاته.. ولكن الحقيقة هي أننا مقلدون أكثر منا مفكرين، ومسايرون أكثر منا مستقلين، وخاضعون لحكم العرف والمجتمع، ومُغيبون معظم الوقت عن نداء العقل والمنطق..

حين تتأمل حياتك وأفكارك ومعتقداتك (وما تعتقد أنه آراؤك الشخصية والخاصة) تكتشف أن 99% منها إما موروث، أو مقتبس، أو منمط، أو مساير للمجتمع.. أصبح ذلك مؤكداً بفضل تجارب نفسية كثيرة أثبتت أن الإنسان مخلوق اجتماعي مساير ومُقلد، أكثر منه مستقل ومنفصل يملك إرادة حرة..

هناك تجربة طريفة تؤكد هذه الحقيقة.. فقد تم وضع تسعة أشخاص في غرفة واحدة استعداداً لإجراء مقابلة وظيفية.. ثمانية منهم ممثلون يعرفون طبيعة الخدعة، وواحد فقط لا يعلم شيئاً هو موضوع التجربة.. وعند لحظة معينة صدر صوت "جرس" فوقف الثمانية فوراً، فوقف معهم تلقائياً الشخص التاسع (موضوع التجربة) دون أن يعرف السبب.. وحين ضرب الجرس مرة أخرى جلسوا، فجلس معهم.. وتم تكرار التجربة على عدة أشخاص لم يتخلف أحد منهم عن القيام والجلوس مع المجموعة دون أن يعرف أو حتى يسأل عن السبب..

الطريف أن القائمين على التجربة بدأوا بإخراج المشاركين الواحد تلو الآخر حتى لم يبق في الغرفة سوى الشخص التاسع (الذي لا يعلم بالخدعة).. ورغم أنه بقي وحيداً إلا أنه أصبح يقوم ويجلس كلما سمع صوت الجرس.. ليس هذا فحسب بل سرعان ما تبنى الفكرة وأصبح حارساً لها لدرجة أنه أخبر شخصاً جديداً (دخل عليه لاحقاً) بضرورة الوقوف معه ثم الجلوس معه كلما سمعا صوت الجرس!!

... والحقيقة هي أن تجربة كهذه تم تنفيذها بطرق عديدة وأشكال مختلفة واتضح في النهاية أن 99% من الناس يصعب عليهم (عدم التقليد) ومسايرة الغير حين يقوم أربعة أشخاص فقط بأي عمل (حتى قيل إن أربعة هو الرقم السحري للمسايرة وتنميط المجتمع)..

فنحن نتصرف بشكل مستقل مع أنفسنا، وشبة مستقل حين يتواجد بقربنا إنسان.. ولكننا نصاب بالحيرة والارتباك حين يتواجد بقربنا شخصان يفعلان نفس الشيء.. ثم نبدأ بالمسايرة أو الهرب من الموقع حين يفعل ثلاثة أشخاص الشيء نفسه بقربنا، ولكننا سنقلد الجميع ونسايرهم في الفعل والتصرف بمجرد أن يصل عددهم إلى أربعة!!

... وهذه الظاهرة مهمة لفهم كيف تفكر المجتمعات ولماذا تتصرف بطريقة موحدة تشبة تحركات القطيع.. مهمة لمعرفة تأثير المجتمع على "الفرد" بمجرد أن يتعرف على مجموعة صغيرة تفعل الشيء ذاته بصرف النظر عن حسناته وسيئاته..

والعجيب فعلاً؛ أن الفرد حتى حين يدرك حماقة الفكرة أو خطورة الفعل (مثل قطع رؤوس الناس بمجرد الانضمام لمجموعة إرهابية تحلل ذلك) لا يتوقف عن فعلها وتكرارها.. يخشى في أعماقه تبعات النبذ والعداء والخروج على نمط المجموعة (فيصبح مثل الرجل الذي أخذ يقف ويجلس مع الجرس رغم أنه كان يضحك من حماقة تصرفه وغباء مجموعته).. أما الأسوأ من كل ذلك فهو حين يبدأ التأثير من سن الطفولة، أو يأتي من أفراد العائلة، أو يشترك فيه ملايين الناس حوله!!

... والآن؛

هل تذكر قولي إن "تجربة كهذه تم تنفيذها بطرق عديدة وأشكال مختلفة"؟

... ابحث في غوغل عن مقال "كم يتطلب الأمر كي تؤجر عقلك" وآخر بعنوان "وجدنا أباءنا كذلك يفعلون"..

افعل ذلك لعلك تصبح أحد الناجين من تأثير "الأربعة"!!

*نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.