السعودية ليست فنزويلا
كان الأسبوع الماضي حافلاً في مدينة الرياض. زعماء 34 دولة عربية وأميركية جنوبية جاؤوا بقضاياهم وآمالهم إلى عاصمة الحزم، ليطرحوها على طاولة النقاش على أمل الخروج بتوافقات سياسية واقتصادية تسهم في ازدهار بلدانهم. دول فقيرة وأخرى غنية. دول تخرج من أزمات، ودول تدخل في أزمات. دول تصنع مستقبلها، ودول تراقب المستقبل وهو يقترب من دون أن تكون قادرة على نحته في شكل يناسب واقعها. دول جاءت على جناح الأمل، فهل عادت على جناح البشائر؟
البدء في مشروع وحدة اقتصادية عربية - لاتينية أمر لافت بلا شك، ويمكن في حال اكتمال أركانه التأثير إيجاباً على مستقبل المنطقتين الكبيرتين، وتحصين القرارات السياسية للعرب ودول أميركا اللاتينية من السقوط في جاذبية الثقبين الأسودين لأميركا وروسيا. لكن الأمنيات لا تصنع الواقع دائماً، خصوصاً إذا كانت المشتركات الاقتصادية والسياسية شبه معدومة. ما يصنع الحقيقة على الأرض هو بناء الأساس الجيد والصلب لبناية مشروع الوحدة قبل التفكير في قطف مخرجات الأعمال في الأدوار العليا.
هذه هي مقدمة المقال، أما التفاصيل، فتتركز في أربع مسائل يمكن تعليقها كديباجة رئيسة على صدر دستور هذه العلاقة الوليدة بين العرب ودول أميركا اللاتينية.
أولى هذه المسائل يتمثل في أن هذه العلاقة ليست موجهة ضد أحد. ولا يمكن كذلك اعتبارها خروجاً متعمداً من القطبية العالمية. فالسعودية مثلاً ليست فنزويلا، والكويت ليست البرازيل. كما أن هذا الارتباط العابر للقارات لن يصنع محوراً أممياً جديداً، على غرار حركة عدم الانحياز، يقف موقف الضد أو موقف الانعزال من القوى العالمية التي أمنت وجودها الأممي وهيمنتها العالمية بعد الحرب العالمية الثانية. هذه علاقة داعمة للأحلاف الحالية ومكملة لها، وارتباط اقتصادي قادر على مواجهة التحديات التي تهدد «جودة الحياة» في الدول العربية ودول أميركا اللاتينية من جهة، وتعزيز مشتركات الحركة الاقتصادية في العالم أجمع.
سيحتفظ الطرفان بعلاقاتهما الأممية، وسيكونان في منأى من الخضوع لشروط عقد جديدة تفرض عليهما مراجعة علاقاتهما السابقة، لكنهما في الوقت نفسه سيتحرران جزئياً من قبضة بعض الدول التي تظن أن مفهوم الحلف يتمثل في «تبعية» الضعيف للقوي.
ثاني المسائل يتعلق بالمشتركات الاقتصادية والسياسية، فمن المعروف أن أي علاقة ناجحة بين طرفين تستلزم وحدة كل طرف واستقلاليته وقوة ارتباط أجزائه الداخلية بعضها ببعض، وهذا متعذر في الحالة العربية على الأقل، فالعرب لا يجمعهم شيء في الوقت الحاضر، فلا اقتصادهم محكوم بمنظومة واحدة، ولا إرادتهم السياسية تسير في طريق واحد. أمم شتى ومصالح مختلفة وتوجهات سياسية غير متطابقة. وعلى افتراض أن دول أميركا اللاتينية تقف على أرضية مشتركة من المصالح السياسية والاقتصادية، فمن الصعوبة بمكان أن يكون بمقدورها بناء جسور التواصل مع أصوات ورغبات وأجندات مختلفة على الضفة الأخرى!
لن يتمكن الطرفان من المضي قدماً في مشروعهما الطليعي هذا قبل أن يحددا منصتين جاهزتين في كل طرف للانطلاق منهما، وليس هناك في الوقت الحالي ما هو أكثر جاهزية في الجانب العربي من منظومة مجلس التعاون الخليجي، فهي تقريباً المنصة الصلبة العربية الوحيدة القابلة لبناء جسور جديدة يمكن الاعتماد عليها للإنطلاق إلى الآفاق اللاتينية.
لنكن عمليين أكثر ونمد جسورنا من المنطقة الخليجية باتجاه القارة الأميركية الجنوبية، ومن أراد من العرب الالتحاق بهذه الوحدة، فعليه أن يقوّم موقفه الحالي ليكون متوافقاً مع الرؤية الموحدة التي تستلزمها هذه الأنواع من الشراكات.
ثالث المسائل يتعلق بالمواقف العربية من قضايا أميركا اللاتينية. فكما أن الموقف الأميركي اللاتيني شبه ثابت تجاه قضايانا العادلة، بل ومتحدٍ في كثير من الأحيان لمواقف الدول العظمى ومتضاد معها، فمن الواجب أن يكون العرب مبادرين في دعم قضايا أميركا اللاتينية والدفاع عنها في المحافل الدولية. ما يحصل اليوم هو أن العرب يريدون من دول العالم كافة أن تتعاطف وتدعم قضاياهم، بينما هم لا يفكرون في إظهار دعمهم أو إدانتهم وتنديدهم من دائرة وجودهم. هل سمعنا خلال السنوات الأخيرة قراراً عربياً يدعم موقفاً أميركياً لاتينياً خالصاً أو يندد بانتهاك خارجي لقضية أميركية لاتينية؟ هل هناك موقف عربي قوي في ما يتعلق بقضايا أميركا اللاتينية يقابل موقف الأميركيين الجنوبيين من القضية الفلسطينية؟
أما رابع المسائل، فهو استقبال عمالة أميركا اللاتينية وفتح الأبواب أمامها للعمل في الدول العربية الغنية، وأظن أن هذه المسألة تحديداً هي ما ستسرع في قطف ثمار هذه العلاقة، وتحافظ على ديمومتها والبناء عليها. المجتمع الأميركي اللاتيني احتوى المهاجرين العرب قبل عشرات السنين، ودمجهم فيه بكل يسر وسهولة، ولم يتعامل معهم كمهاجرين مجنسين كما تفعل بريطانيا أو فرنسا، إلى درجة أن بعضهم وصل إلى سدة الرئاسة في بلد المهجر الجديد. فحري ببعض الدول العربية أن تعبد الطريق لطالبي العمل في بلادنا من مواطني أميركا الجنوبية، ولا أظنهم سيقلون كفاءة عن نظرائهم الآسيويين أو الأوروبيين.
كان إعلان الرياض عظيماً، ومتقدماً جداً، لكنني أظن أنه الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل.
* نقلا عن "الحياة"