يا لكرم الأنانيَّة: فيروز و أصالة !

فهد عافت
فهد عافت
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

شرط من شروط الجماليّة في العمل الفني : أن يظهر و كأن عناصره قد أقامت العلاقات فيما بينها بتناغمٍ و لتناغمٍ يخصّها ، ضع تحت كلمة " يخصّها " ما شئت من خطوط ثم أكمل : تناغم يمكنك تأمّله ، غير أن تأمّلك له لم يكن هدفاً لعناصر العمل ، يجب و أن يبدو و كأنه جزء من طبيعتها ، بل و طبيعة في أجزائها ، و كأن هذا التناغم حقق نفسه بنفسه لنفسه !.
و صحيح أن جائزة العمل الفني الجميل لمتلقّيه غير خافية ، فهو إما أن يوسع أُفقاً ، أو يَهِب حيويَّةً و قوَّةً ، أو يشرح صدراً و نَفْساً ، بل إنه دائماً ما يفلح في منح هذه الأشياء الرائعة لمتلقِّيهِ دفعة واحدة ، متى ما كان العمل أصيل الجمال ، و كانت موهبة المتلقِّي أصيلة النزاهة ، إلا أن مثل هذه المُكافآت السَّخِيَّة ، تُمنَح دائماً دون درايةٍ من جماليّة العمل الفني نفسه ، تماماً كما تَمْنَح أشجار الطبيعة ظلالها لمُستجيرٍ بها دون درايةٍ من الجذع و الأغصان و الضوء و الظلال و الزمن و الحاجة !.
أَحْسبُ أن هذا شرطاً جمالياً يسري على كل عملٍ يطلبُ تصنيفه فنيّاً ، و يعرضُ نفسه جماليَّاً ، كاشفاً للشعور و الذوق عن قبوله بأحكامهما دون سواهما !.
و لأن طرح الأمثلة يهدف دائماً ، ما لم يُرِد طارحها استعراض عضلاته ، إلى كشف القصد ، ففي فن الغناء مايفي بالغرض ، و ليكن سؤالنا بسيطاً : ما الذي لا تمتلكه مطربة مثل " أصالة " في صوتها ، دعك من الأفق و التفكير و جدارة الحلم و غيرها ، ما الذي لاتمتلكه " أصالة " في صوتها لتصير به في مرتبة " فيروز " في صوتها أيضاً ؟!.
جوابي ، و أرجو أن ينصفني ذوقي : صوت أصالة على قوّته و قدراته و ما وهبها الله فيه من حُسن ، يحضر دائماً و يشكّل عناصره رغبةً في كسب إعجاب السامع و طمعاً في حصد تصفيقه و الإشادة به ، و هو كلما حث السعي لهذا ، أثقل على سامعه و أشعره بالنفور ، أو حرمه من التوحّد معه ، و الأهم أنه لم يعد بإمكانه أن يظل وفيّاً لذاته بالقدر الذي لا يخدش نزاهة الجمال الفنّي ، في المقابل تكمن عبقرية صوت فيروز ، في قدرته على اعفائك من أي " صراع " معه ، فلا تشعر أبداً بثقل ضرورة الحُكم و التصفيق و الإشادة ، تغنّي و كأنها تغني لنفسها ، صوت فيروز يروح و يجيء لأجله هو ، يا لكرم الأنانيّة في الجمال الفنّي!.
و لنفترض أن صوت فيروز لا يُعجبك ، أبداً لا يقول لك أنك على خطأ ، غير أن كل جمالٍ آخر ، خاصةً جمال الطبيعة ، لن يمنحك صُحبته ، كما كنتَ تستحق فيما لو أرهفتَ الحِسّ ، و درَّبته ، و ثقَّفته ، هذه الأخيرة : عُد إليها قبل أن تُتَّخذُ كلمة لوصف أهل النقد و الأدب و الصحافة ، أي قبل أن تصبح كلمة مثقف وصفاً لبعض هؤلاء!.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.