.
.
.
.

"فوبيا" الثقافة

أيمن الحماد

نشر في: آخر تحديث:

الأندية الأدبية والمرافق الثقافية في كل مكان حول العالم مواقع تحظى باحترام وثقة وثقل كبير، فهي مواقع لإشاعة التنوير، وإنتاج المعرفة، والحفاظ على الهوية، وتهذيب النفس، وتشذيب ما يتعلق بها من دنس الحضارة، كما أنها مواقع تأثير يجب أن تُعطى دورها في مسار التنمية والصعود لأي أمة وتُحاط باحترام لا ينبغي التقليل منه.

فالثقافة سلاح يستمد قوته من شعبه ويستمد الشعب القوة منها، لذا كان حصن الثقافة أشد الحصون منعةً أمام موجة العولمة التي تهاوت أمامها كل الحصون، وبقيت البند الأكثر شراسة أمام الاتفاقيات الدولية وباقي مظاهر الانصهار الدولي. فالشعوب ترى أن ثقافتها هي مبرر وجودها وإرثها وترِكتها للأجيال اللاحقة، والتفريط بها تراخٍ وتقاعس لا يغتفر.

الثقافة دوماً معيار نهوض كل أمة، والعرب في أساسهم أمة شاعرة تعشق اللغة وتنتجها، لذا كانت اللغة العربية غزيرة المعاني، مفلسفة القواعد، معجزة لدى كل متعلم لها وحتى لأولئك الناطقين بها، فهي تحدٍ تلذذ العرب بخوضه ونظموا في أساسياته شعراً.

يوما الأربعاء والخميس الماضيين شهد كل من؛ الناديين الأدبيين في الطائف وأبها وهما موقعان تابعان لوزارة الاعلام جدلاً "احتسابياً" أفضى إلى استكمال النشاط الأدبي الذي كان يقام في كلا الناديين بعد التيقن من عدم وجود "اختلاط"، وفي واقع الأمر أن الأنشطة الادبية تخضع لترتيبات إدارية يسمح بعدها بالقيام بذلك النشاط لذا فالأمر محكومٌ بنظام معين. ولا يمكن فهم ما حدث، هل هو تخوُّف من الثقافة أو توجس من مآلاتها أم ماذا؟ لكن من المعلوم أن الثقافة لا يمكن أن تكون مصدر قلق أو توجس، بل إن ما نخشاه هو التقليل من أهميتها وتأثيرها وموقعها، فكثير من الأمم تعيش على ثقافاتها الغابرة في يومنا الحاضر، بالرغم من أن حاضرها لا يعبر عن منجز ثقافتها الماضية، ونحن العرب نعيش تلك اللحظة تماماً، لأنها تحيي في أنفسنا "نوستالجيا" الاعتزاز في زمن الانهزامية، ففترات العرب والمسلمين قبل أكثر من 500 عام هي محل احترام وتقدير في ثقافات الأمم الأخرى، إذ إن تأثيرها الممتد لا يزال اليوم شاخصاً في عواصم أوروبية وحاضراً في ثقافات تلك الأمم، فما هو حالنا اليوم؟

إن الاحتفاء بالثقافة وتشجيع منتجها هو أقل ما يمكن أن يعمل، لا أن يتم النظر إلى مرافقها ومرتاديها نظرة شك وريبة، فالاندفاع خلف التهيؤات والتخمينات والمبالغات أمرٌ فيه خروج عن النص يوقع صاحبه في حرج ومأزق يصعب دفعه والتنصل منه، كما أن التجاوز دون التثبت ومن غير مسوغ نظامي لا يتواءم والدعوة إلى احترام القانون.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.