نجران الصامدة تنادينا

هتون الفاسي
هتون الفاسي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

تخوض بلادنا منذ عدة شهور حرباً تحريرية ليمننا الشقيقة من قبضة ثلة من مغتصبي السلطة ومعهم حاكمها السابق الذي امتص دماء أبنائها وثروتها ومستقبلها لأكثر من ثلاثة عقود، وما زال لم يكتف.

وتعاني مدننا الحدودية لاسيما نجران وجازان من فرط قربهما من الحدود اليمنية وملاصقتهما لمحافظة صعدة، معقل الحوثيين. وقد أدى ذلك إلى سهولة استهداف قرانا الحدودية على الرغم من أن مئات القرى نقلت من منطقة الحدود إلى أماكن بنيت لهم في الداخل، لكن هذا لا يعني انتقال كل المدن لاسيما الكبرى منها. وتعاني نجران على وجه التحديد من اتصالها المباشر بقرى صعدة الذي لا يفصل بينهما إلا شارع أو شريط حدودي يخلو من أي ارتدادات تحمي المنطقة من اعتداءات غير متوقعة. والغريب في أمر هذه الحدود أن القذائف لم تتوقف من ورائها منذ بدأت الحرب، ولا أن هناك نظام رادار قوياً لضبط أي تسلل إلى المدن.

وقد نتج عن تلك الشهور الثمانية الماضية أن تأثرت الحياة اليومية في نجران وقل انخراطها في الشأن العام الوطني، وازدادت حدة ما تتعرض له المدينة من مقذوفات انتقامية عشوائية تصل في غالب الأحيان إلى المدنيين، أن وصلت من أسبوعين (6/11/2015) إلى سيدة ورضيعها، فاستشهدت ريم آل منصور ورضيعها فيصل ذو الثلاثة أشهر بينما هما في بيتهما، بمقذوف صاروخي.

وكأن مدينة شهداء الأخدود لم تكتف بذلك، فتغالب عليها غول الإرهاب أيضاً وكاد يصيب مصلي مسجدها في مقتل لولا تصدي الشيخ علي أحمد آل مرضمة، والد الأديب سعيد آل مرضمة واستشهد معه رجل آخر وحقنت دماء المصلين. لكن الغول ما يزال قائماً ويبحث له كل يوم عن ضحية جديدة، ولم تعد الحدود عائقاً له، وكأن كل الأرض أصبحت ملعبه، فمن مساجد وحسينيات السعودية إلى الكويت فمآتم العراق ومن ثم ملاعب ومطاعم ومسارح باريس. كما لا يعوقه إيجاد المبررات والمسوغات لعمله القميء.

وكم كان استغرابي منذ أسبوعين عندما حاولت إيجاد حجز طيران للسفر إلى نجران لتقديم فروض العزاء لإخواننا وأخواتنا هناك مع "مبادرة لتعارفوا" فلم أستطع العثور على أي حجز، فلا حجوزات تظهر على الشاشة، ليتضح لي بعد أن تساءلت في تويتر عن الأسباب لتأتي معلومة أن الطيران متوقف عن الوصول إلى نجران منذ ثمانية أشهر، أي منذ بدء عاصفة الحزم. وقد أحزنني ذلك نظراً لأني لم أتمكن من تأمين وقت لرحلة تمتد من أبها إلى نجران براً وتنسيق الحجوزات الباقية بالمواعيد المطلوبة من أبها، فرحلات مدن الأطراف عندنا تشكو دوماً من ضعف شبكة الرحلات والطيران، لاحظتها في أبها عندما كنا نحاول الوصول إليها لتعزية أهلها في شهداء مسجد فرقة الطوارئ ولم نتمكن من ذلك أيضاً بسبب المواصلات التي لا يتوفر في رحلاتها ما يكفي ليضمن لنا رحلة العودة. (ولحسن الحظ نجح عضو المبادرة الشاب محمد الخضيري من قطع الطريق الشاق والوصول إلى نجران وتقديم فروض العزاء باسمنا الأسبوع الماضي).

وتلا ذلك أن أدركت العديد من التفاصيل حول حياة أهل نجران تحت القصف اليومي، فعلى سبيل المثال لم تتمكن مبادرة بلدي لهذا السبب من تنفيذ إحدى محاضراتها التي كانت ترتب لها في بداية الصيف منسقة بلدي في نجران والكاتبة في جريدة الوطن الأستاذة فاطمة أل تيسان.

لكن ما فاجأني كانت ملاحظة أهالي نجران حول سير الدراسة لديهم وضعف وتيرتها، وعلى وجه التحديد أزمة تقديم طلبة وطالبات نجران لاختبار تحصيل القدرات الذي لم توفر له الهيئة الوطنية للقياس بالتعاون مع وزارة التعليم، لجنة تختبر الطلبة في نجران. فقد رفعت يدها من هذه المسؤولية وطالبت الأهالي بالسفر بأبنائهم وبناتهم إلى أبها لمن يريد أن يجري الاختبار المؤهل للجامعة. وقد ترتب على هذا كما هو متوقع عزوف كبير، في ظل مشقة السفر والإقامة وقطع الأعمال حتى يتفرغ الآباء للسفر بأبنائهم. وهو أمر مستغرب جداً لاسيما وأن هذا الاختبار يكفي فيه بضعة أساتذة للحضور لنجران لإنهاء المهمة.

وأرى أن تغيير الروتين التعليمي بشكل يؤدي إلى إضافة عبء وتكليف على عاتق أبناء نجران غير مناسب أو لائق. فهذا العبء لا يتناسب نهائياً مع ما تحتاج إليه هذه المدينة الصامد أهلها أمام اعتداء الحوثي وأتباعه المستمر. إنها في الواقع بحاجة إلى مضاعفة العمل من أجل التخفيف عنها والتهوين على أبنائها وبناتها صعوبة الظروف المعيشية في ظل أجواء الحرب القاسية. إنهم بحاجة لأن نشاركهم هذه الظروف التي أغنونا عن الشعور بها، فما هو إحساس من يقيم في الرياض أو الشمال او الغرب بالحرب؟ لا نشعر في الواقع إلا ببعض الضغط الاقتصادي المرتبط بالإنفاق العسكري، لكن ليس هناك أي مؤشر آخر على أننا في حالة حرب. وهو ما ندين بالفضل فيه لجنودنا البواسل على الحدود، ولمدننا الصامدة في الجنوب.

آمل أن يكون هناك اهتمام أكبر باحتياجات أهل جازان ونجران، وهو ليس بمستغرب على قيادتنا الحكيمة.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.