.
.
.
.

المُنتَصَف ليس وَسَطِيَّة

فهد عافت

نشر في: آخر تحديث:

تكتب مستنكراً وحشية جريمة ما ، تفجير مصلّين في مساجد وطنك ، ذبح رجال أمنك ، زنزانة يُحرَق من بداخلها في العراق ، رؤوس تُحزّ و تُجزُّ على شاطئ في ليبيا ، لحم بشري يتناثر مشوياً مع حطام طائرة سياحية في مصر ، أبرياء في ملاعب و مقاهي و دروب باريس ، و في كل مرّة ، و مع تسهيلات شبكات التواصل ، تصلك ردود مقرفة ، حتى أنه يُمكن لك حذف الراء من كلمة ردود ! ، لا يُعارضك أغلب أصحابها لأسباب مختلفة أهمها الخوف من المساءلة ، أو الخوف لأنهم جبناء و كفى ! ، لكنك تجد في معظمها تبريرات جبانة هي الأخرى ، تأخذ أشكالاً كاذبة الدمع الآدميّ ، تلومك و تتهمك بإغفالك لأمور تزعم ألْسِنَةُ أصحابها أنها هي السبب في كل ما حدث و يحدث ، تلاعب صِبْيَانِيّ بالكلام يُعَوِّم كل ما اتفقت عليه الإنسانية من قِيَمٍ ، و كل ما فُطِرت عليه الأنفس من أخلاق ، و بكلام ناسف مثله مثل أي حزام ناسف ، تكتشف أنك أمام عملية إجرامية حقيقية لنسف كل المفاهيم ! ،

كم هو مقرف في صبيانيِّتهِ هذا التلاعب بالكلمات ، الراغب في خلط الأوراق إلى درجة غليان أي حوار ، حيث الدرجة التي تتبخّر معها كل المفاهيم ، فلا نصل إلى شيء ، إذ ليس سوى الثرثرة الفارغة و الفراغ المثرثر ، يكشف كل منهما عن إمكانات هدم راعبة الاستبداد ! ، يستغل عدد من الكتّاب الجبناء ، مرضى هَوَس الجماهيرية ، الموقنين بضرورة الغوغائيّة و التفاهة للحصول على نجومية لا يمكن لها أبداً أن تتحقق في شروط عقلانية ، يركبون الموجة ، يرددون نفس اعتراضات الجهلة و الغوغاء لكن بأساليب بلاغية أعلى قليلاً و أكثر ترتيباً في صياغاتها ، و أقل براءة ! ، و بالفعل ينالون مبتغاهم من النجومية ، فأن تكون نجماً في سماء صناعيّة واطية و دنيئة ، ليست في حقيقتها سوى سقف زنزانة مصبوغ ، أمر ليس بالعسير إلا على الحر الأبَيّ ! ، و لا يجيد استِعباد الناس أكثر من مُسْتَعْبَدٍ بفتح الباء ! ،

غالباً ما تجمع كُتّاب الخزي هؤلاء صفة واحدة ، رغبتهم الدفينة في أن يكونوا مبدعين ، و من أهل الفن و الأدب ، ينتقمون لمحاولاتهم السابقة بائسة الفشل في هذا المجال ، ينتصرون لعجزهم عن اللعب في الكلمات ، بالتلاعب فيها ! ، و حيلتهم واحدة ، يعلنون رفضهم للجرائم ثم يضيفون : " و لكن " ! ، كل ما بعد هذه الـ " لكن " هي حقيقة مرادهم ، بما قبلها ينجون من مساءلة " الناس اللي فوق " ، و بما بعدها ينجون من مساءلة " الناس اللي تحت " ! ، و يظنون أن المُنتَصَف وَسَطِيَّة !

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.