البلاغة السياسية.. المعلمي أنموذجًا
أزعم أنِّي من المتابعين لكثير من الخطابات السياسية، متأملٌ في مضامينها، باحثٌ في دلالات ألفاظها، لا أهتم كثيرًا لصواب الألفاظ المستخدمة لغويًّا، ولا أُدقِّق في صحّة نطقها نحويًّا، فما يهمني هو الخبر، وما يشغل بالي كمتابع مهتم بالشأن السياسي هو القرار الصادر. وأجزم أن كثيرًا من المهتمين يشاركونني ذات الرأي.
على أن الأمر مختلف جدًّا مع معالي السفير المهندس عبدالله المعلمي مندوب المملكة العربية السعودية في الأمم المتحدة، الذي ما إن يشرع في قراءة بيانه السياسي، إذا بك تستشعر حالة من الهدوء، على الرغم من حدّة الواقع السياسي الذي يتحدّث فيه وعنه؛ ذلك أن السفير المعلمي قد غلبته صنعة الأدب التي نشأ عليها في حضن والده الأديب اللغوي الفريق يحيى المعلمي، الذي كان من أبرز القامات اللغوية والأدبية في المملكة.
هذه الصنعة الأدبية اللطيفة هي التي رطبت كثيرًا من مضامين خطاباته الثقيلة في مدلولها، ومآلاتها، باعتبار سوداوية الحدث، وعمق المأساة الحادث حاليًّا في سوريا الجريح. وهو أمر لن يدرك أبعاده إلاّ المتذوّقون للأدب، العاشقون لألفاظه ومعانيه، فأولئك تستكين نفوسهم حين يستمعون إلى خطاب جزل خالٍ من الأخطاء النحوية، التي غالبًا ما تُسبِّب إزعاجًا لهم، فتنفر نفوسهم كلّما زادت الأخطاء فحشًا.
من جانب آخر، فكم هو جميل أن يستشعر العالم شيئًا من أدبنا العربي المتفرّد في صوره ومعانيه، ودقة ألفاظه، حين يستمعون لشيءٍ من ذلك في مضامين خطاب سفيرنا الأديب المعلمي، ولعمري فإن ذلك نوع من الإشهار الثقافي الذي تنشده أروقة وزارات الثقافة في بلداننا العربية بوجهٍ عام. وهو ما نأمل -كمثقفين- الاهتمام به من قِبَل وزارة الخارجية السعودية، من حيث أن يكون مبعوثوها الدبلوماسيون على دراية جيدة بتطوّر الحراك الثقافي في وطننا.
بقي أن أشير إلى أن عديدًا من الأدباء المعروفين محليًّا وعربيًّا قد تبوأوا سدّة سفارات بلدانهم، وحتمًا فقد كانوا خير سفير لثقافة بلدانهم، وثقافة مجتمعنا العربي بوجهٍ عام، ويأتي على رأسهم على الصعيد الوطني السفير الأديب حافظ وهبة، والسفير الأديب محمد حسن فقي، والسفير الأديب حسن عبدالله القرشي، والسفير الأديب أحمد علي المبارك، والسفير الأديب الدكتور عبدالعزيز خوجة، وعلى الصعيد العربي السفير الأديب عمر أبوريشة، والسفير الأديب نزار قباني، وغيرهم. ويمكن أن يُضاف إليهم اليوم السفير المُتذوِّق للأدب والبلاغة، البارع في صنعتها، المهندس عبدالله المعلمي، فشكرًا له ولحسّه الأدبي الجميل.
*نقلاً عن صحيفة "المدينة"