.
.
.
.

الملك فهد بن عبدالعزيز!

محمد الساعد

نشر في: آخر تحديث:

في اليوم الثاني من شهر آب (أغسطس) عام 1990، وقف الملك فهد بن عبدالعزيز مذهولاً أمام مشهد الدبابات والمدرعات والسمتيات العراقية، وهي تتقدم باتجاه الحدود السعودية، بعد أن أكملت خلال ساعات احتلال الكويت.

لم يصدق الملك فهد أن أكثر من عشر سنوات من البذل والتحالف الاستراتيجي بين السعودية والعراق، إضافة إلى اتفاقات لم يجف حبرها وقعها الملك مع صدام قبل أسابيع في بغداد سقطت، بل وغرقت في وحل الانفعالات، وتقضي عليها أحلام المغرورين البعثيين.

الملك فهد رجل السلام الذي أطلق مشروعه الشهير للسلام العربي، وساعد الأفغان في استرداد تراب أرضهم، وجمع اللبنانيين لإنهاء الحرب الأهلية، وجد نفسه رجل حرب وقاب قوسين أو أدنى من خوض غمار معركة لم يدر في خلد أحد أنها ستقع يوماً بين العراق والسعودية.

لقد كان مصير وطنه وشعبه وبلدان وشعوب الخليج على المحك، وأن التاريخ سيسأله يوماً عن قراره، هل كان قراراً صائباً، أم لا، وهل كان قادراً على ضبط تبعاته، وهو ما تأكد لاحقاً مدى نجاحه وتوفيقه.

كانت صدمة للملك فهد والسعوديين، وهم يعلمون الآن يقيناً، أن «جيشهم العراقي» الذين دفعوا من أجله كل غالٍ ونفيس، حول مدافعه من البوابة الشرقية للعرب، التي يفترض أن يدافع عنها، إلى الرياض العاصمة، التي بنت جيش العراق، وتحملت من أجل بنائه مصاعب جمة.

لم يأخذ الأمر من السياسي المحنك سوى ساعات قليلة حتى أخذ قراره العبقري بتشكيل تحالف دولي عريض، ودعوة الدول العظمى للمشاركة في الدفاع عن المملكة، كان القرار يحمل في داخله كل صواعق التفجير، التي استطاع نزعها واحداً تلو الآخر بمهارة وذكاء ودهاء.

فالمملكة كانت لا تزال تعاني داخلياً من سطوة «الصحوة» غير الرشيدة، التي حاولت تأليب «الشارع» ضد القرار، إضافة إلى تحالف «الخيانة» بين الإخوان المسلمين وصدام، ودعمهم مشروعه، بل والطلب منه استكمال احتلال السعودية وبقية دول الخليج، مسيرين المظاهرات الداعمة له من الرباط وحتى لاهور في باكستان.

انتصر الملك فهد في واحدة من أقسى وأهم معارك القرن الـ20، لكن التاريخ لن ينسى له أنه أدار حربه بذكاء، سخر فيها إمكانات دولته المالية والديبلوماسية، ورصيدها السياسي ليوم عصيب.

رجل الحرب الذي انتصر في معركته الكبرى، كان أول من أطلق مبادرة عربية للسلام - غير منفردة - لحل القضية الفلسطينية، تتضمن مشروع الأرض مقابل السلام، وهي المبادرة التي سبقت عصرها، ولو حالفها الحظ، لكان الفلسطينيون اليوم يعيشون في دولتهم الموحدة الكاملة في حدود القرارات الدولية.

يقدم اليوم معرض «الفهد روح القيادة» لمحات وومضات من تاريخ الملك فهد، في نظري أن حرب الخليج بكل تفاصيلها وتعدد أبعادها، كانت المحك الأكبر الذي أظهر عبقرية الملك فهد السياسية، ودهاءه في إدارة تحالف واسع، وقدرته على جمع المختلفين في مشروعه.

فالاتحاد السوفياتي عدو الغرب، وسورية حليفة إيران كانتا – على سبيل المثال - أكبر عقبتين أمام التحالف، لكنه استطاع أن يحيِّد السوفيات، ويدخل السوريين بجنودهم إلى الجبهات، دفاعاً عن حق المملكة في حماية أراضيها وتحرير الكويت، إنها روح القيادة التي سرت في دماء الفهد منذ عرف السياسة وعرفته.

* نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.