.
.
.
.

عجز الميزانية.. ليس عيباً اقتصادياً

فهد محمد بن جمعة

نشر في: آخر تحديث:

يترقب الجميع إعلان الميزانية العامة للعام المالي 2016 في ظل تراجع الإيرادات النفطية التي تمثل الجزء الأكبر من إيراداتها، حيث من المتوقع أن تبنى على أساس متوسط سعر النفط 50 دولارًا للبرميل عند متوسط التصدير الحالي. وهذا يضع صانعي القرار أمام بعض الخيارات، إما أن يستمر الإنفاق (سياسة مالية توسعية) عند معدله التقديري في عام 2015 وخلق عجز كبير في الميزانية أو تقليص الإنفاق مع عجز نسبي (سياسة مالية متحفظة) أو موازنة الإنفاق بالإيرادات ليكون العجز صفراً (سياسة مالية متشددة).

لكن من الأرجح أن تأخذ الدولة بالسياسة المالية المتحفظة لتقليص الفجوة بين الإنفاق والإيرادات ليكون العجز عند نسبة متدنية لا يضر بالاقتصاد الوطني ويمكن تغطيته من خلال إصدار بعض السندات أو من الاحتياطي النقدي أيهما أقل تكلفة.

إن هذه الفجوة المالية (Fiscal gap) بين النفقات الحكومية وإيرادتها على المدى الطويل، عادة تحسب كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، لتوضح أن أي زيادة في الإيرادات أو نقص في النفقات سيقود الى التوازن فيما بينها على المدى الطويل. لذا لا يعتبر العجز عيباً اقتصادياً أبدا وإنما محفز اقتصادي مع زيادة الإنفاق الحكومي. فإنه من الخطأ الاعتقاد أن هذا العجز سوف يكون على حساب الأجيال القادمة مع زيادة الإنفاق الذي يدعم دخول الأفراد والقوة الشرائية ويحفز المنتجين والمستثمرين على زيادة استثماراتهم وتوظيف الموارد البشرية، مما يضيف قيمة اقتصادية فعلية تراكمية تحسن البنية التحتية وتنوع الاقتصاد وتتيح فرص عمل أكبر في اقتصاد يتكيف مع التغيرات والدورات الاقتصادية المحلية والعالمية بما يحقق أحلام الأجيال القادمة.

فلو أخذنا بسيناريو الميزانية المتحفظة، فانه من المتوقع ان تكون المصروفات التقديرية للعام القادم 800 مليار ريال قريبة من مصروفات عام 2011 والإيرادات التقديرية 661 مليارا على أساس متوسط سعر النفط 50 دولارا عند متوسط التصدير الحالي. فبهذا يكون العجز المتوقع 139 مليار ريال أقل من العجز التقديري في ميزانية 2015 البالغ 145 مليار ريال وأقل بكثير من العجز الفعلي في نفس الميزانية، مما سوف يترتب عليه ترتيب الأوليات ورفع كفاءة الإنفاق وتعظيم الأداء بما يحقق أهداف خطة التنمية العاشرة ويزيد الرفاهية الاقتصادية للوطن والمواطن ويحفز القطاع الخاص على المشاركة الفاعلة في إجمالي الناتج المحلي.

وإذا ما قسنا تأثير الإنفاق الحكومي على معدلات نمو إجمالي الناتج المحلي بالأسعار الثابتة لعام (2010) خلال الفترة ما بين 2010 و 2014، لوجدنا أن الإنفاق الفعلي في عام 2010 بلغ (653) مليار ريال وكان معدل النمو الحقيقي 4.75%، بينما زيادة الإنفاق الحكومي إلى 827 مليار ريال في 2011، جعلت معدل النمو يقفز إلى 9.96%. لكن في الأعوام اللاحقة لم تؤدِّ الزيادة في الإنفاق الفعلي الى 1.1 تريليون ريال في 2014 إلى زيادة في معدلات النمو، بل انها تراجعت بشكل ملحوظ الى 5.38%، 2.67%، 3.47% في الأعوام 2012، 2013، 2014 على التوالي. وهذا يؤكد بدون شك ان الأهم ليس زيادة الإنفاق وإنما كفاءته حتى تتقلص معدلات التضخم وترتفع الإنتاجية الاقتصادية والصادرات غير النفطية إلى إجمالي الواردات ذات القيمة المضافة الى الناتج المحلي.

فقد يكون العجز النسبي في الميزانية ضرورة اقتصادية لإعادة تدوير المدخرات الخاصة واستثمارها في الاقتصاد وزيادة إجمالي الناتج المحلي. لكن لا ينبغي ان تتسع الفجوة المالية بنسبة كبيره بقصد تحقيق أعلى نمو اقتصادي ممكن حتى لا يتسبب ذلك في خلق عجز كبير يكون له أثر سلبي على الاقتصاد. كما علينا أن ننظر إلى الثغرات المالية الهامة التي قد تتجاوز العجز في الميزانية من أجل سدها والاستفادة منها.

* نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.