.
.
.
.

عندما يستدرجنا السفهاء.. ترامب إنموذجاً

فهد الطياش

نشر في: آخر تحديث:

تقول العرب الحكمة ولا نعمل بها في حال الغضب. فنحن نردد "إذا خاطبك السفيه فلا تجبه، فخير من إجابة السكوت".

وهذا على فرضية أن هذا السفيه يُخاطبُ ولا يستدرج للمزالق. فكم من مرة تم استدراجنا لحرب عبثية كلامية تنتهي بمزيد من تشويه صورة الإسلام والمسلمين.

فمنذ أيام سيئ الذكر سلمان رشدي الى صحف أوروبا الصفراء والكرتونية،

وأخيرا الى سفيه نيويورك. ولو كان من ضمن أهداف حملة ترامب الانتخابية استفزاز مشاعر المسلمين فنقول إنه كسب الجولة. فهو يريد أن يستدرج أكبر قدر من ردود فعل المسلمين الذين هم في نظر جمهوره من المتطرفين وسبب كل إرهاب يقع في هذا الكون. ووجود عدو خارجي في نظره يوحد أبناء الداخل. ونسي أن عدد المسلمين في تزايد.

وينسى أيضا أن دفع الضعيف إلى الرد بالقول لن يعجزه عن الرد بالفعل إن تعرض للخطر. ولذا لا بد أن يتجه أهل القانون من المسلمين الى لجمه فهو يدعو الى تعكير السلم الاجتماعي ويحرك مشاعر الكراهية ويوقظ سلوكيات عنصرية لدى الأميركي المتطرف.

ويُحكى في التراث العربي قصة ذلك السفيه الذي شتم حليما فرد عليه إياك عني، وعنك أُغضي، فقد قال الشاعر:

شاتمني (وغدُ) بني مسمع

فصنت عنه النفس والعرضا

ولم أجبه لاحتقاري له

من ذا يعض الكلب إن عضا

وفي عجز البيت الأخير تكمن لعبة الإعلام. فوسائل الإعلام تريد هذا النوع من أخبار عض البشر للكلاب فتلاحقها، ولا أحد يلاحق كلبا عض أي إنسان على الكرة الأرضية إلا من أجل الانتقام المباشر او البحث عن صاحبه للانتقام المادي والمعنوي. وما يهمنا من كل هذا أن وسائل الإعلام وفي كليشة تُدرس لطلاب الصحافة منذ القدم عند تحديد القيم الإخبارية يتم التركيز على عنصر الغرابة أي أن الإنسان لا يعض الكلب وبالتالي يصبح هو الخبر إن فعل. وعنصر الغرابة من استدراج ترامب للمسلمين مطالبته بمنع دخولهم الى الولايات المتحدة، فاستفز بذلك الكثير منا إلى درجة أن أحد نجوم برنامج "الصوت" نعت ترامب بالكلب باللغة الإنجليزية. ويعرف المختصون في العلاقات العامة أن الشهرة السيئة هي نوع من الشهرة أيضا، وجعلت من هذا الأحمق متقدما في قائمة المرشحين للرئاسة الأميركية عن الحزب الجمهوري.

ولعل ما لفت انتباه الصحافة الأميركية وتابعتها هي تغريدة الأمير الوليد بن طلال والمعروف عالميا في عالم المال والأعمال عندما نعت ترامب بالعار على أمريكا.

ورد عليه الآخر برد يتعلق أيضا بالمال الذي لن يحقق المراد. وما يعنينا هنا هو أن هذا السجال مع هذا السفيه العنصري لن يحقق لنا أي شيء سوى استثارة الحمقى والحاقدين، فقد تجاوزت ردود الفعل على تلك المساجلة الألف وخمسمئة رد ما بين متعقل وسفيه وحاقد. والمتعقل منا يجب أن يبحث عن مكمن الحكمة ويطفئ بها نار الفتنة. ولكن الحاقد والأحمق فتغريداتهما تفوح بالعنصرية المقيتة التي استثارتها تلك التغريدة. والأحمق ليس له حل سوى تركه، أما الحاقد فذاك داء دفين وله أناس ودول ومؤسسات تستثمر مثل تلك النقاط لتبث من خلالها سموم حقدهم.

وتألمت كثيرا كمواطن سعودي أن أقرأ مثل تلك الترهات من التعليقات لقراء غير معروفين، وكل واحد منهم يقول عنا ما يسوء ولا ردود فعل مؤسسية مثلما يفعل الحاقدون علينا. فقد قلت ذلك مرارا وتكرارا في هذه الزاوية ولن أمل من الطرح حتى نقف جميعا أمام تلك الأحقاد. فالرد المؤسسي المطلوب الآن هو منا كشعب سعودي أن نرد الكيد في نحر مطلقه، ونحاجج بالمنطق والبراهين. بل هي فرصة لطلابنا في الخارج لممارسة فن الرد والمحاججة.

ولعله من المناسب استقطاب شبابنا للقيام ببرامج إعلامية أو المقارعة بالحجج في تعليقات القراء . ونحن العرب نعرف من تجارب التاريخ أن السفيه لا يقومه إلا مرّ الكلام وقوة الحجة.

* نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.