.
.
.
.

الضريبة في الخليج

فهد أبا الخيل

نشر في: آخر تحديث:

تداول المواطنون في الآونة الأخيرة خبراً يقتضي بفرض الضريبة على مواطني دول مجلس التعاون الخليجي، وبدأ الكثير من الاقتصاديين بالتحدث عن نوع الضريبة المفروضة والمدة الزمنية لتطبيقها على أرض الواقع وطريقة فرضها.

مما يجدر بنا التذكير به، أن البعض من هؤلاء المحللين قد تناسوا أنهم يتكلمون بلغة قد لا يفهمها الكثير من المواطنين، نظرا لكونها لغة جديدة عليهم. عند هبوط أسعار النفط منذ يونيو 2014، بدأت فكرة تنويع مصادر الدخل للمملكة حاجة ملحة لتعويض النقص الحاد في الإيرادات النفطية، والذي سيؤثر سلباً على تحريك عجلة التنمية الاقتصادية في المملكة. وكما هو معلوم، فإن الضرائب تعد دخلاً ليس بالهين في الغالبية العظمى لدول العالم، مما حفز المملكة ودول الخليج على التحرك سريعاً للعمل على إعادة النظر في ملف الضريبة، والذي كان حتى وقت قريب ملفاً مرفوضاً من وجهة نظر بعض الدول الخليجية.

لم تكن يوماً الضرائب مفروضة في المملكة، ولذلك فإننا قد نجد الكثير من الضبابية في مفهومها وطريقتها والتفرقة بين أنواعها، فالأولى والأجدر أن يتم توضيح هذه المفاهيم كي يكون المواطن قادراً على استيعاب هذا المفهوم الجديد بالنسبة له.

أبسط تعريف للضريبة أنها عبارة عن مبلغ نقدي يتم فرضه من الدولة عن طريق أجهزتها المعنية، وذلك لغرض المشاركة في تحمل التكاليف العامة، وبدون أن تلتزم الدولة بإعادة قيمة هذه الضريبة إلى المواطن مرة أخرى بشكل نقدي، بل بشكل خدمات تقدم من الدولة للمقيمين بها.

تنقسم الضرائب من حيث طريقة تحصيلها إلى ضرائب مباشرة أو ضرائب غير مباشرة.

تقوم الضرائب المباشرة على مبدأ الاستقطاع من دخل الفرد مباشرة أو من ممتلكاته، وذلك بفرض نسبة معينة مما يملكه الفرد، وبذلك يكون الاستقطاع عادلاً بحسب ممتلكات كل فرد، وهذا النوع من الضرائب المباشرة يتحمل عبئها المكلف بالضريبة بشكل مباشر. للضرائب المباشرة أشكال متعددة، يتم حصرها عن طريق أي دخل مكتسب أو غير مكتسب للفرد أو المنشأة، فمن تلك الأشكال الدخل الثابت للفرد أو الأسهم والسندات التي بحوزته، أو ما يتحصله من أرباح سواء كان فرداً أو منشأة، ولا ننسى الإرث و التركات، بل نتجاوز ذلك إلى الجوائز التي قد يفوز بها في المقابل.

تقوم الضرائب غير المباشرة على مبدأ الاستقطاع من المنتج في مرحلة الانتاج وما بعده، وذلك بفرض نسبة على المنتجات المحلية أو المستوردة، ويمكن لهذا النوع من الضرائب نقل عبئها من الشخص المكلف بالضريبة إلى شخص آخر. على سبيل المثال، فإنه إذا تم فرض ضريبة مقدارها 10% على سلعة الجبن، والتي تقدر تكلفتها بـ 50 ريالاً للوحدة، فإن الضريبة المفروضة على منتج سلعة الجبن ستصل إلى 5 ريالات للوحدة، وبذلك، يستطيع هذا المنتج نقل عبء هذه الضريبة إلى المستهلك بعرض السلعة بمبلغ 55 ريالاً للوحدة بالإضافة إلى قيمة الربح من هذه الوحدة. وهنا، فإننا لا نستطيع الجزم بأن كل المنتجين قادرون على نقل عبء الضريبة للمستهلك، لأن نقل العبء مرهون بمدى مرونة السلعة وتكلفة الفرصة البديلة لها. للتوضيح، فإن منتج سلعة حليب الأطفال قادر على نقل عبء الضريبة أكثر بشكل أسهل من منتج سلعة ألعاب الأطفال، وذلك كون سلعة الحليب سلعة غير مرنة، ولا يستطيع المستهلك إيجاد بديل لتغذية طفله عن الحليب، ولكنه في المقابل قادر على عدم شراء الألعاب واستبدالها بسلعة أقل تكلفة، مما يجعل منها سلعة شديدة المرونة ويصعب فيها نقل عبء الضريبة.

قررت المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي العمل على تطبيق الضريبة على القيمة المضافة (alue Added Tax “VAT)، وهي نوع من أنواع الضرائب غير المباشرة المذكورة أعلاه. يمكن تعريف الضريبة على القيمة المضافة على أنها ضريبة تفرض على القيمة الإضافية لتكلفة السلعة على المنتج، ويقوم المنتج بنقل عبئها على المستهلك النهائي، وذلك بحسب مرونة السلعة المقدمة. ولتوضيح فكرة هذه الضريبة، فإننا سنفترض أن الدولة ستقوم بفرض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 10% على سلعة الشاي الذي يكلف إنتاجه 20 ريالاً للوحدة، وبافتراض أن القيمة التي أضافها المنتج على سعر التكلفة هي 5 ريالات، فإن الضريبة المستحقة ستكون بمقدار 10% من 5 ريالات، أي ما يعادل نصف ريال، وعند نقل عبء هذه الضريبة إلى المستهلك النهائي، فإن السعر النهائي لها سيشمل التكلفة والقيمة المضافة ومقدار الضريبة (20+5+0.5) مما يجعل سعرها النهائي على المستهلك 25.5 ريال.

هناك عدة عوامل تشكل الرغبة العامة لفرض الضريبة على الدخل المضاف، ويمكن تفسيرها من خلال مزايا الضرائب غير المباشرة. تتميز الضرائب غير المباشرة بأنها غير ثابتة التحصيل بعكس الضريبة المباشرة، لأنها متعلقة بشراء المستهلك للسلعة من عدمه. هذه الميزة للضريبة غير المباشرة تشكل دافعا للمستهلك بعدم الإنفاق بشكل كبير على السلع الكمالية كما هو حاصل الآن، مما يعزز لدى الفرد القدرة على الادخار بدلاً من الإنفاق على سلع كمالية وتحمل ضرائبها. يمكننا القول أن الضرائب غير المباشرة تعطي الفرد مرونة في اختيار سلعة دون الأخرى، وتفضيل عدم شراء سلعة عن الأخرى، مما يحقق مبدأ تكلفة الفرصة البديلة للفرد وبصورة مثالية.

ومن مميزات الضريبة غير المباشرة أيضا أن الدولة تقوم بتحصيلها من المنتج بدلا من المستهلك الذي يدفعها بشكل غير مباشر كما أسلفنا في هذا المقال، مما يعني أن الفرد هنا لا يرى فعلياً العبء الضريبي، نظراً لأن المنتج أو المستورد هو من يتحمل دفعها للدولة، مما يجعل تحصيل هذه الضرائب أقل تعقيداً وعبئاً على الفرد وإن كان بالظاهر فقط. تعزز هذه الميزة أيضاً قدرة الدولة على زيادة هذه الضريبة لتوسيع دخلها المحلي من الضرائب، وذلك من خلال رفع أسعار الضريبة على المنتج في فترة الازدهار الاقتصادي، وخفضها في فترات الانكماش، وتكون ظاهرة للفرد بأنها ارتفاع أو انخفاض في سعر السلعة لا الضريبة.

في ظل انخفاض أسعار النفط، وبالنظر إلى اقتصاد أغلب الدول الخليجية، فإن الاعتماد الرئيس لهذه الاقتصادات يتمحور حول النفط ومشتقاته من البتروكيماويات، مما يجعل النظر في تنويع مصادر الدخل حاجة ملحة. يمكن الاعتماد على فرض الضريبة كمصدر جديد وفعال للدخل المحلي، والذي يجعل من النفط نقطة قوة لا ضعف نظراً لعدم الاعتماد الكامل عليه. بالإضافة إلى أن فرض الضريبة من شأنه زيادة وعي الأفراد في اتجاهين، اتجاه يتعلق بإحساسهم بالمشاركة في تنمية اقتصادهم المحلي، واتجاه آخر يتعلق بفكرهم الاستهلاكي من خلال الحكمة والترشيد في الانفاق الاستهلاكي على الكماليات بوجه الخصوص، لعلمهم بتحمل ضريبة على هذه السلعة، والتي قد لا يكون مهماً الحصول عليها، مما سيعزز من مفهوم الادخار في نهاية المطاف.

* نقلا عن "اليوم" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.