طموحي المتواضع
في ندوة دينية حضرتها، مع أنني لم أكن مدعوًا لها، واضطررت لذلك حيث إن صديقًا قد سحبني معه انقدت وراءه كالأعمى وإذا بي أكون وقت الحضور كالطائر الذي يحلق في غير سربه.
ما لفت نظري في تلك الندوة هي تلك الإحصائية التي طرحها أحد المشايخ أمام الجميع، حيث إنه - جزاه الله خيرًا - كان يحث الرجال على (التعدد) بالزواج، ومن مغريات التشجيع على ذلك أنه قال بالحرف الواحد:
«المتزوج بزوجة واحده سيندم، اسمعوا يرعاكم الله واحكموا بأنفسكم، فزوجة واحدة للرجل تعني أنه في الدار الآخرة لن يحصل إلا على (70) حورية فقط، أما صاحب الزوجتين فله (140) حورية، وصاحب الثلاث زوجات فله (210) حوريات، أما صاحب الأربع زوجات فله (280) حورية.
وإذا عرفنا أن كل حورية واحدة يتبعها (70) جارية، فمعنى ذلك أن صاحب الأربع زوجات سوف يتمتع بـ(24642) من الزوجات والحوريات والجواري، وعليكم أنتم الحساب، أما أنا فقد بريت ذمتي، واللهم فاشهد أنني بلغت». وما إن انتهى من حسبته تلك حتى سرت همهمات بين الحضور، تخللتها بعض الضحكات الحماسية لمن توسموا في نفوسهم الألمعية والقدرة.
لا أكذب عليكم أنني حسدته على عبقريته في علم (الرياضيات)، الجمع والضرب ومع ذلك، فما كان مني إلا أن أرفع يدي علامة أنني أريد أن أطرح سؤالاً واستفسارًا، فتبسم الشيخ الجليل بوجهي وهو يبسط راحة يده مرحبًا بسؤالي.
فقلت له: ما هو حال من لم تكن لديه ولا حتى نصف زوجة، وعاجله الموت دون أن يحظى بذلك الشرف؟!
ويبدو أن سؤالي قد فاجأه ولم يكن يخطر على باله، فصمت قليلاً وتجهمت ملامح وجهه ثم قال: إن مثل ذلك الرجل محروم وجاهل، وإن الذي لا تكون لديه زوجة، فكأنه قد فرط وخسر نصف دينه والعياذ بالله.
وغير الموضوع وراح يصب جام غضبه على المستهترين، والذين يطرحون أسئلة ليس لها معنى، والذين لا هم لهم إلا التصيد بالكلام الرخيص.
كل هذا كان يجري وهو مصوب نظراته الحادة تجاهي، إلى درجة أنني تحرجت كثيرًا خصوصًا وقد لاحظت النظرات غير الودية التي أتحفني بها أيضًا عدد لا بأس به من الحاضرين تأسيا بشيخهم.
وبدأت ألوم نفسي وأقرعها، لأنني تقريبًا أدخلتها في عش دبابير من دون معنى ولا سابق إنذار، وإلا مالي أنا ومال عالم (الحوريات)، فطموحي من هذه الناحية متواضع جدًا، بل إنه قد يصل إلى مرحلة (الصفر).
وفعلاً أستاهل كل الذي حصل لي.
* نقلاً عن "الشرق الأوسط"