.
.
.
.

المضواحي يرحل مبكرا ويكتب لمحبيه: "سامحونا.. وإلى لقاء"

الصحافيون السعوديون ينعون عاشق "البروفايل" وعرّاب القصة الصحافية

نشر في: آخر تحديث:

مثل رحيل الصحافي عمر المضواحي المفاجئ صدمة لأصدقائه وزملائه ومحبيه عبروا عنها في سيل من المقالات في الصحف والتعليقات والتغريدات التي نشروها على مواقع التواصل الاجتماعي في وداع جماعي وغير متوقع لصحافي متفرد ولامع غادر الحياة في وقت مبكر.

وفي وقت متأخر من ليلة السبت الماضي تعرض المضواحي لضيق بالتنفس وارتفاع معدلي السكر والضغط، وذهب للمستشفى لوحده رافضاً طلب ابنه عبدالمحسن بمرافقته. بعد مضي نصف ساعة ذهب الابن للاطمئنان على والده إلا أن الخبر الصادم كان بانتظاره، حيث أبلغه الأطباء برحيله بشكل غير متوقع.

نهاية مبكرة وسريعة للمضواحي عن عمر يناهز الـ50 عاما إلا أن التجربة الصحافية كانت طويلة وثرية بالأعمال الصحافية التي نسجها بأسلوبه الفريد فكرا وعرضا. وبدأ المضواحي مشواره الصحافي في مجلة "اقرأ"، ومن ثم انتقل بعدها إلى جريدة "المسلمون". انتقل بعد ذلك ليشغل منصب مسؤول التحرير في صحيفة "الشرق الأوسط" ليصبح بعدها مساعدا لرئيس التحرير في صحيفة "الوطن"، ومن ثم كبيرا للمراسلين في صحيفة "مكة" التي مثلت آخر محطاته الصحافية.

وعرف المضواحي بعشقه الكبير للصحافة الرصينة وحاول انعاشها بكتاباته المشغولة بعناية وإتقان قام بنشرها في مدونته الخاصة وصحف متعددة في سعي دؤوب وحثيث منه لصد اكتساح الصحافة السريعة، التي غمرت أخبارها السريعة ومقالاتها الخاطفة الساحة الصحافية السعودية.

الأنصاري: المضواحي ينتج سبائك ذهبية

وعن ممانعته للإعلام السريع التجهيز والاهتمام بالتفاصيل الصحافية الدقيقة في الكتابة، يقول صديقه الصحافي عمر الأنصاري لـ"العربية.نت": "كان أبو عبدالمحسن، إذا أراد أن يكتب، يتهيأ طويلا لذلك، فيركبه وسواس الإبداع وهاجس الأحرف والكلمات التي سيكتب بها، وهاجس حسن نظم عقده وتنضيده حتى يستوي حبكة واحدة بل سبيكة ذهبية أخاذة لا يمل النظر إليها."

ويضيف: "كنت أعرف في أيام خلت منه ذلك الهاجس، الذي يبدأ بفن تحضير الفكرة، ثم فرزها والتأكد من فرادتها، وضمان التمكن منها واستقصائها حد التطرف في ذلك، لم يكن يهمه قط أن يجد قضية يكتب عنها، فما أكثرها أمامه، بل همه أن يجد قضية تتمسك بتلابيبه، تناديه في يومه، وتتسلل إليه في منامه حتى تقض مضجعه، حينها إذا وجد أن الأمر لا مفر منه وأصبح لزاماً، وعلم أنه أصبح رسول الفكرة أو القضية يبدأ.. وكيف يبدأ؟ يبدأ بدخول محرابه، محراب إبداعه، محراب لا يخرج منه إلا بسك ذلك التبر الخالص النقي الأخاذ".

تقارير مميزة عن الأماكن المقدسة

واشتهر المضواحي بتقاريره عن الأماكن المقدسة في مكة والمدينة المنورة. كتب عنها بأسلوب بانورامي مشبع بشحنات روحانية تشي بوضوح عن عشقه وولعه الكبير بهذه البقع المقدسة بكل ما تحتويه من إيمان وتاريخ وسير وآثار. وعن هذا الجانب من شخصية المضواحي يقول الأنصاري: "لربما نتذكر من ذلك، يوم أنه سبك واحدة من تلك الأعمال الجميلة والجليلة، يوم أن كتب عن المرقد المبارك، عن الحجرة النبوية الشريفة.. ليخرج علينا بتحقيق ملأ قلوبنا ضياءً وشغفاً حتى أصبحنا ممسوسين به.

يقول رحمه الله: "غمست وجهي محدقاً من بين فتحات الحجرة.. كنت خائفاً حتى الموت، لكن شيئاً ما دفعني للنظر ومتعت عيني في بقعة ضمت الشطر الأكبر من حياة الرسول الكريم، أنوار تتجلى في ذات المكان، وهديل حمائم جاورت، كما جاورت غار ثور يوم هجرة الرسول وصاحبه أبي بكر الصديق".

ويضيف : "لم يكن يكتب بعقله، كان قلبه يمتلئ؛ إذ يتعقب خطى النبي الكريم وصحبه وآثارهم، ثم لا يلبس القلب أن يمتلئ فيفيض بما امتلأ به من نور بكلمات".

أحمد عدنان: المضواحي "عمدة" التحقيقات

الصحافي والكاتب السعودي أحمد عدنان يتذكر سيرة الراحل المضواحي الشخصية والعمل معه: "كان أول احتكاك بيننا هو أنني خلفته في إدارة مكتب مجلة (المجلة) في جدة قبل 14 سنة، وعلق هو على ذلك في مجالس الأصدقاء بظرف ولطف بالقول "أول انتقال سلمي للسلطة في الصحافة السعودية".

ويضيف عدنان: "لم يكن المضواحي مخبرا صحافيا، بل هو عمدة التقارير والتحقيقات، هو مثال نموذجي لصحافة المجلات، لذلك كان عصره الذهبي اللامع في مجلة المجلة، ومنذ تركها بدأ حضوره في التراجع رغم المطبوعات الكبيرة التي عمل بها كالشرق الأوسط والوطن، لم يكن نهج الصحيفة اليومية موازيا لنمطه ولم تكن العودة ممكنة لعصر المجلات التي انقرضت موضوعيا من المشهد الصحافي، بعد ذلك وجد عمر ملاذه في وسائل التواصل الاجتماعي ومدونته وإطلالات مدروسة في صحيفة (مكة) التي استطاعت استيعابه والاستفادة منه".

وفي تغريدة مؤرخة من شهر أكتوبر من العام الماضي كتب المضواحي على حسابه في تويتر: "سامحونا.. وإلى لقاء". وتم تداول هذه التغريدة على نطاق واسع وكانت أشبه بتلويحة الوداع الأخيرة من عرّاب القصة الصحافية الذي أخلص للصحافة ومنحها الاهتمام والاحترام الذي تستحقه وقاتل من أجلها حتى أنفاسه الأخيرة.

تغريدة الراحل عمر المضواحي