.
.
.
.

نظرة في أولويات التحول الوطني

جاسر الحربش

نشر في: آخر تحديث:

التخطيط الدقيق المتأني يسبق التحولات الكبرى وإنما الأعمال بالنيات. عربة التنمية لا تسير بالسرعة المقصودة بدون حمل العقول الاقتصادية المحلية بداخلها، ليس في الوسط أو الخلف وإنما في قمرة القيادة. إعلاميا نحن شهود على ديناميكية واضحة في التخطيط للمستقبل، على مستوى المال والاستثمار ومستويات التعليم والقضاء والصحة، والأهم من ذلك أن كل شيء سوف يكون تحت المراقبة والقياس والمحاسبة. المراقبة والقياس والمحاسبة أنواع، أكثرها تطبيقا في العالم النامي هي المركزية من فوق لتحت، وأقلها تطبيقا أو لا تطبيقا المراقبة المؤسساتية المدنية من تحت لفوق، وهذه هي الأصدق والأضمن.

النية في التغيير والتجديد واضحة من العنوان، ولذلك استحقت مسمى التحول الوطني، وحسب العناوين نحن موعودون بتحول طموح وجذري ومتسارع.

العنوان الأول لعملية التحول يشير إلى رؤية اقتصادية جديدة، محورها محاصرة ثالوث الهدر والفساد والاستحواذ الخفي على الأموال والممتلكات العامة، بهدف توفير الأموال والأرض والثروات الطبيعية للاستثمار في الإنتاج والوظائف وتقليص البطالة وتوسعة الأبواب للشباب إلى المستقبل.

بناء على ما أعلنت النية عنه سوف يكون الهدف كبيراً، لأنه ضمناً ودون إفصاح يعترف بوجود هدر وفساد واستحواذ، وفوق ذلك يعترف بتضييع فرص كثيرة تعطلت فيها خطط التنمية في العقود الزمنية السابقة، والآن يتوجب تصحيح المسيرة التنموية.

إذاً النيات موجودة والثروات والأموال سوف يتم تركيزها لإحداث التحول، وخطوات التحول التنفيذية سوف تكون تحت المتابعة والمراقبة والمحاسبة. هنا لابد من إبداء مطلب وطني هام: ما دامت هذه التحولات سوف يتم تفعيلها من أجل المواطنين يصبح من لوازمها إدماج من يمثلهم في عمليات المتابعة والمراقبة، لتكون للوطن الجامع مراقبة تنفيذية مركزية لا غنى عنها بحكم المسؤولية والقدرة على المحاسبة، وكذلك مراقبة ومتابعة مؤسساتية مدنية لا غنى عنها أيضا لتكتمل الشفافية فيتحول التوجس الموروث من خطط التنمية القديمة إلى تفاؤل واطمئنان.

من هذا المنطلق ومنذ البداية: هل يحق لي كمواطن القول إن النجاح في التحول لا يحتاج إلى شركات استشارات أجنبية، لا ماكينزي ولا هم يحزنون. العملات الصعبة مرتفعة الأرقام التي تستلمها هذه الشركات مقابل التنظير على الورق نحن أولى بها وضخها في التحول الوطني نفسه. لا يدخل في العقل أن تكون شركات أجنبية، بموظفين قابعين في مكاتب ضخمة، أدرى بشعاب المملكة العربية السعودية من أهلها، فهم لديهم آلاف من المتخصصين والمجربين في علوم الاقتصاد والتخطيط، ولكن كانت المتابعة والمحاسبة والقياس هي التي تنقصهم. الفكرة بذاتها قد توحي من غير قصد لهذا الأجنبي بأنه يستطيع إقناعنا بما يراه مناسبا أولاً لخدمة شركته وبلده هو ولكن بأموالنا نحن. الإيحاء الآخر هو أن المستشار الأجنبي قد يأخذ راحته ويفترض قصورا في عقولنا الاقتصادية والتخطيطية المحلية يجعلها تعجز بمجهودها الذاتي عن العثور على طريق المستقبل، ولذلك قمنا بتكليفه ليقدم لنا خارطة طريق.

الملاحظة الثالثة تمس تحديداً كرامة وثقة عقولنا الاقتصادية الوطنية بنفسها. من المؤكد أن بعض هذه العقول (على الأقل) لن يعترف بتفوق الأجنبي، لا في قدراته على إدراك حاجات الوطن وطبائع التعامل مع مكوناته وإمكانياته، ولا ببراهين يقدمها هذا الأجنبي على نجاحات مقنعة حققها في أماكن أخرى. التحول الإيجابي في مستشفياتنا الكبرى وشركات المياه والكهرباء ومشاريع المواصلات والطرق وشركات البتروكيماويات، هذا التحول لم يحصل إلا بعدما سلمت المسؤوليات إلى الكوادر الوطنية وسحبت من الشركات الاستشارية الأجنبية.

وثمة ملاحظة أخيرة، أعتبرها أهم من كل ما قيل، التخطيط للتحول الاقتصادي كأولوية هو محاولة جادة للتمدين المادي. هذا المسار من التمدين المادي هو السائد في كل دول مجلس التعاون الخليجي، لكن محاولة الحصول على اقتصاد مدني قوي كتمدين مادي تصعب المحافظة عليه والتوسع المستقبلي فيه بدون التمدين الحضاري الثقافي، أي تمدين المفاهيم الفكرية والتعايشية التكافلية.

الأفضل لكل محاولة تمدين كبرى أن يتماسك المادي الاستهلاكي الإنتاجي مع الثقافي الفكري الحضاري يداً بيد، أو أن يكون الثقافي سابقا للمادي بحيث تكون العقلية الوطنية الجمعية مستوعبة لضرورة التمدين بأنواعه. التنمية التمدينية المادية في دول مجلس التعاون بدأت منذ عقود وما زالت في حالة منافسات ومقارنات تماحكية سطحية، لكن التمدين الثقافي والفكري ما يزال عاجزاً ودون القدرة الاستيعابية للآخر في الداخل والخارج.

لهذا السبب تحدث الاستقطابات والتوجسات والمزايدات وتنحرف بعض العقول إلى الإرهاب فتتحول الحضارات الأخرى إلى عدو كاره للمنطقة وأهلها بصيغة التعميم.

رغم أهمية التحول في البنى الإنتاجية وفي الأنظمة والكفاءات العدلية وفي الخدمات الصحية يبقى التعليم والتثقيف والانفتاح الفكري على العالم هو الأساس.

بحمد الله وتوفيقه ثم بحكمة ولي الأمر وحرصه على أولويات التحول الوطني أصبح لدينا وزير تعليم متخصص ومدرك لمسؤولياته ولا يستطيع أحد المزايدة عليه.

الجملة الأخيرة: التخطيط والتنفيذ والمحاسبة والرقابة ليست مسؤوليات مركزية فقط، وما لا يشارك المواطن فيه منذ بداياته لن يتحمس لحسن التعامل معه وتحمل مسؤولياته والمحافظة عليه في نهاياته، والله ولي التوفيق.

* نقلا عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.