.
.
.
.

السعودي الذي اكتشف نفسه

حمود أبو طالب

نشر في: آخر تحديث:

كنا يوم الاثنين الماضي، يوم إعلان الميزانية، كشعب دخل فجأة وبسرعة في طور جديد من أطوار حياته ومرحلة فاصلة وحادة أيضا لم يكن يتوقعها بهذا الشكل رغم الإرهاصات التي سبقتها وتداخلت فيها كثير من التوقعات، أكثرها متشائمة بفعل الأخبار والتقارير والتحليلات التي تبرعت بها جهات أجنبية، متخصصة وغير متخصصة، ملغومة بالتسييس الذي لا يخفى على المدقق فيها، كلها تكاد تجمع أننا مقبلون ابتداء من ميزانية عام 2016 على فترة شديدة الصعوبة ستربكنا كثيرا لأننا غير مستعدين لها، ولن نحسن التصرف إزائها، وستكون نتائجها السلبية كبيرة على المواطن والوطن والاقتصاد وكل مجريات الحياة. هكذا وبكل بساطة كان التشاؤم الذي أريد له أن يترسخ في أذهان المجتمع.
لكن الذي حصل هو إعادة اكتشافنا لأنفسنا، وأننا قادرون على التفكير والتخطيط خارج الصندوق التقليدي الذي قبعنا فيه وقتا طويلا، وأننا أيضا نملك الإرادة على اتخاذ القرارات الإيجابية التأريخية في الأوقات الحاسمة التي تحتاج شجاعة القرار وحكمته أيضا. لا يهمنا الآن الأرقام وتفاصيل الميزانية بقدر ما يهمنا الحديث عن الشفافية والمكاشفة والوضوح في إعلان الميزانية وأهدافها. فالذي حدث كان تلك الكلمة الموجزة المركزة من الملك وبيان الميزانية غير المعتاد في صياغته، ثم مؤتمرا إعلاميا لوزراء بلا مشالح يتحدثون للمواطنين والعالم ويجيبون على كل الأسئلة دون إحساس بأنهم مرتبكون أو لديهم ما يخفونه من معلومات.
إذا كان الوطن منذ فترة وهو يتحدث عن برنامج التحول الوطني فإن يوم إعلان الميزانية كان أول أيام هذا التحول، هو اليوم الفعلي الحقيقي للسعودية الجديدة بكل ما تعنيه الكلمة، السعودية التي تتعامل مع الواقع ببراجماتية سياسية واقتصادية بعيدا عن الرومانسية أو الهروب إلى الأمام بحمل أثقال الماضي وتجييرها إلى خزانة المستقبل.
مقولة «الله لا يغير علينا» جميلة حين نقصد بها الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية والقيم الدينية والأخلاقية، ولكننا نسأل الله أن يغير علينا إلى الأفضل في تفكيرنا لإدارة وطننا بالأساليب التي تنتهجها الدول المتحضرة القوية الصادقة مع شعوبها، التي تجعل المواطن ركيزتها الأولى في ثباتها واستقرارها، وهدفها في كل خططها، وشريكها الحقيقي في القرارات الكبرى قبل الصغرى.

*نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.