.
.
.
.

وعي المواطن مع أرقام ميزانيته

أحمد الجميعة

نشر في: آخر تحديث:

الردود الشعبية على "ميزانية التحول والترشيد" كانت واقعية في التعبير، ومتوقعة مع العجز المالي، ولكنها مع كل ذلك كانت متفائلة من أن هناك رؤية تؤسس على مستوى كفاءة الإنفاق والاستثمار، وهو ما منح المواطن فرصة من أن يراهن على حاضره ومستقبله معاً، من خلال مشروع التحول الوطني "2020" الذي سيكون فاتحة لتغيير إستراتيجية الصرف، وتنويع الإيرادات، وتنمية الوطن باستدامة الحضور النوعي، والمنتج، والمتوازي والمتوازن بين جميع المناطق، فضلاً عن برامج الخصخصة، والهيكلة، والجودة في تقديم الخدمات.

المواطن كان فعلاً واعياً ومتفهماً لأرقام ميزانيته، ولم يقفز إلى المستحيل وهو يدرك ويرى أسعار النفط، وأزمات المنطقة من حوله، ودولته طرفاً في حرب إعادة الشرعية في اليمن، ودعم المعارضة السورية، واستقرار مصر، وأمن ليبيا، ووحدة العراق، ومحاربة الإرهاب، إلى جانب التصدي للمشروع الإيراني الفارسي في المنطقة، ومحاولاته المستميتة لإثارة الفتنة، وزعزعة الأمن والاستقرار، من خلال مليشيات وتنظيمات إرهابية مأجورة.

وهذا الوعي في الرخاء قبل الشدة، والمكره قبل المنشط؛ هو عنوان كبير لوفاء هذا الشعب لأرضه، وقيادته، حيث لا يرتبط ذلك بسعر بترول، أو رفع أسعار، وإنما يرتبط بحالة تقدير يجدها من دولته، وحكومته، وهما تسعيان معاً لخدمته، والدفاع عن حقوقه، وضمان أمنه واستقراره، وهي نعم كبيرة وعظيمة تستوجب الشكر من الله أولاً، ثم العمل معاً للتحول إلى رؤية القيادة في التعامل مع الواقع الجديد في الترشيد، والمحاسبة، والرقابة.

المواطن على ثقة باقتصاد وطنه، وأنه يملك مقومات تمكّنه من مواجهة التحديات، وقادر على تحمّل أعباء المرحلة الحالية، خاصة مع رفع أسعار الوقود والمياه والكهرباء في حدود لا تزال هي الأدنى مقارنة بدولٍ أخرى، وقريبة منه، ولكن الأهم أن يتجاوز المواطن ثقافة الاستهلاك إلى الإنتاج، وانتظار الوظيفة إلى العمل الحر، ومن المبالغة في المصروفات على الكماليات إلى الترشيد و"شدّ المحزم".

المواطن على قناعة اليوم من أن الدولة لا يمكن أن تنفق بهذا الحجم المهول، وتدير عملية مصروفات تاريخية في الأرقام والمشروعات، وليس مطلوب منها كذلك -حتى لو كانت أسعار النفط في منتصف 2014 (140) دولاراً- أن تستمر في عملية الصرف من دون أن يكون هناك رؤية ترّشد هذا الإنفاق، وتوجهه وفق أولويات مدروسة، وليس أولويات مفتوحة تعتمد على ثقافة "الخير واجد"؛ لأن الأهم هو بناء احتياطات مالية قادرة على تجاوز الظروف والأزمات، وليس بناء احتياطات مرتهنة لعمليات صرف مستقبلية على مشروعات ليست ذات جدوى.

*نقلاً عن صحسفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.