الميزانية بين عصرين

عيسى الحليان
عيسى الحليان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

بين الصدمة المالية الأولى والصدمة المالية الثانية بضعة عقود، وهي فترة زمنية كافية جدا لإعادة ترتيب الأوراق وبناء اقتصاد قوي يقوم على التنافسية وكفاءة الأداء الحكومي وتنويع مصادر الدخل ورفع الناتج المحلي وتحسين دخل الفرد والاستفادة من المزايا النسبية الكامنة في ثنايا الاقتصاد السعودي.
في الصدمة الأولى انكمش نصيب الفرد من الناتج المحلي بنسبة 58% وارتفعت ديون الدولة إلى ما يوازي 120% من الناتج المحلي وهوى دخل الفرد السعودي إلى ما يوازي الثلث. ومنذ الإفاقة من آثار الصدمة الأولى لم نشهد أي تغييرات جوهرية على بنية الاقتصاد السعودي على خلفية الدروس السابقة الباهظة التكاليف، وكل ما حصل كان محاولة لتهدئة وتحسين الأوضاع الاقتصادية مع بقاء الهياكل والقواعد العامة للاقتصاد الكلي على ما هي عليه. والحقيقة أنه قد مرت على البلاد ضائقة مالية في ذلك الوقت لا يعلم بها إلا الله والمختصون في مؤسسة النقد، فقد تلاشت الاستثمارات الأجنبية وتوقفت المشاريع الرأسمالية وتوقف معها نمو الجامعات والمستشفيات، حيث لم تتم إقامة جامعة واحدة أو مستشفى واحد طوال 20 عاما، وكان من الممكن أن يكون ذلك دافعا قويا نحو التغيير الشامل، لكن هذا لم يحصل للأسف، وعندما ارتفعت عوائد النفط في بداية الألفية الثالثة ما هي الإجراءات والبرامج والإصلاحات الاقتصادية التي تمت لتنويع مصادر الدخل وتحسين كفاءة الإنفاق سوى رفع مؤشرات الاستهلاك لدى الفرد الذي لم يقابله زيادة في عوامل الإنتاج، بل توسعت بالمقابل برامج الدعم الحكومي غير المستدام على حساب بناء اقتصاد قوي ومستمر.
كان بالإمكان مضاعفة الناتج المحلي ومضاعفة دخل الفرد السعودي وتحسين كفاءة الاقتصاد ورفع نسبة النمو الاقتصادي وعدم الاعتماد على اقتصاد الدولة على حساب القطاع الخاص لو كانت التدابير الاقتصادية والسياسات العامة تسير على الوجه المطلوب.
اليوم لدينا حزمة من الحلول المتزامنة لكن - وكما كان في الماضي - يتوقف الأمر على مدى استثمار هذه الفرص من الحلول المتاحة، ومن بينها رفع كفاءة الإنفاق وربط معدلاته بالإنتاج والخدمات المقدمة لتقليل نسبة الهدر الكبير وغير المباشر ما أمكن ذلك، وهو ما يتطلب تغييرات إدارية ومالية في هياكل وأنظمة القطاع العام ككل، والثاني زيادة الإيرادات عن طريق تعظيم الاستفادة من الموارد القائمة في اقتصادنا وتوليد موارد جديدة متاحة وكامنة وما أكثرها، وهذان الأمران لن يتحققا إلا بإصلاحات واسعة خارج نطاق دائرة الاقتصاد وأن لا تستثني ترسا واحدا في نظام الدولة الميكانيكي.
وللأمانة فإني متفائل بالمرحلة القادمة وأعول الكثير على مجلس الاقتصاد والتنمية في تحقيق هذه السلسلة من الإصلاحات، وهو الذي أثبت ديناميكية واضحة في مراجعة كل السياسات الاقتصادية والتنموية السابقة، التي كان ينظر لها كمسلمات، وفي اعتقادي أنه أثبت كفاءة عالية في التعاطي مع الشأن الاقتصادي والتنموي برؤية استثنائية ونفس (بفتح الفاء) وطني واضح.

*نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.