.
.
.
.

طهران وحزم سلمان

يوسف الديني

نشر في: آخر تحديث:

دخلت السياسة السعودية الصاعدة بقوة، والتي ستكون مهيمنة على أحداث العام القادمة، مرحلة جديدة بعد أن ذهبت كل المؤشرات إلى ولادة مرحلة جديدة على مستوى السياسات الخارجية مدارها «الحزم» في مقابل حالة الاستلاب للدول والجماعات والميليشيات التي تجترحها سياسة نظام الملالي في طهران وبلغت مرحلة لا يمكن السكوت عنها بعد أن باتت في مواجهة مباشرة وليست بالوكالة في اليمن، الذي لا يفتقر إلى التوافق السياسي بقدر حاجته إلى توقف التدخلات السيادية في شأنه من قبل نظام طهران الذي ذهب بعيدًا بانتقاله من مرحلة التحشيد والتأجيج إلى التدريب والدعم اللوجيستي على الأرض.

قطع العلاقات هو نتيجة وليس سببًا كما يظن، فحالة الانسداد السياسي التي يطرحها نظام طهران بتدخلاته التخريبية قوبل بصوت سعودي عقلاني منذ بداية عاصفة الحزم مرورًا بواقعة رافعة الحرم، وحتى إعلان المحاكمات التي تم انتظارها طويلاً لتحقيق العدالة في الحرب على الإرهاب، التي تعدها السعودية واحدة من أولوياتها الكبرى لضمان استقرار البلاد وأمنها.

هذه المواجهة ضد الإرهاب بكل أنواعه ودون تمييز بين خلفياته السنية أو الشيعية، أسقطت أقنعة كثيرة في المنطقة، لكنها أحرجت بالأساس النظام الثوري الوحيد في المنطقة، وهو نظام طهران الذي يعيش حالة سياسية مزدوجة بين النفس الثوري والتوسعي وبين منطق الدولة المعزولة التي لا يمكن أن تعيش بسلام مع المجتمع الدولي ما لم تتخلَّ عن «ثوريتها» التي تتآكل منها على مستوى التوسع والانتشار والتحشيد الطائفي، وهو ما يعني أن بقاء الدعاية الإيرانية مرهون بفعالية العنف السياسي في المنطقة من إرهاب «القاعدة» إلى «داعش» إلى الميليشيات المسلحة في العراق إلى حزب الله والحوثيين واشتعال الملفين السوري والعراقي.

لا يمكن أن تقف المملكة، وهي على رأس قائمة دول الاعتدال وثقل العالم السني، على الحياد بعد أن تحول نظام طهران كشرطي بالوكالة لأذرعها السياسية بدءًا من حزب الله إلى الحوثيين إلى محاولاتها المستميتة لاختراق سيادة الدول عبر تثوير الحالة السياسية في عدد من البلدان، وعبر بقاء حالة التهديد من قبل الميليشيات الشيعية و«داعش» تجاه دول المنطقة باستثناء إيران.

أزمة إيران ليست في سلوكها السياسي فحسب، الذي استدعى قبلاً العقوبات ومن ثم منحها الفرصة لتعديل ذلك السلوك، ولكن المشكلة الحقيقية في حدود تدخلها في المنطقة، إضافة إلى بقاء احتلالها لجزر الإمارات ومنطقها الطائفي في تحشيد الطائفة الشيعية ضد بلدانهم الأصلية، وهو الأمر الذي يتداخل فيه السياسي بالطائفي بالهويّاتي، وهو ما ضخم قيمة التدخلات لدى الغرب والولايات المتحدة التي هرعت لتوقيع الاتفاق النووي دون تمحيص للمناخ التفاوضي وأبعاده، بعد أن ساهمت إيران في إنعاش ربيع الميليشيات والجماعات التقويضية من «داعش» إلى الأحزاب الشيعية المسلحة إلى القوى المناهضة للاستقرار.

السلوك الإيراني السياسي أداة حشد وتعبئة قادرة على استقطاب كل الأحزاب والميليشيات التي لا تريد استقرار المنطقة، بغض النظر عن انتمائها الديني والطائفي، وهو ما شهدناه مع سلسلة المقالات التي تشيد بالتفوق الإيراني على سبيل الإعجاب من منصات إعلامية محسوبة على اليسار والقوميين العرب، ويمكن أن نلحظ ذلك عبر موجات التشيع التي تغزو المغرب العربي، وكلها قائمة على استبطان الوجه الثوري لإيران وليس حقيقة القناعة بالتشيع كخيار ديني مستقل.

موقف السعودية ليس منبثقًا من موقف طائفي ضيق، بدليل أن سياسة الحزم التي انتهجها الملك سلمان طالت المتطرفين بغض النظر عن انتمائهم الديني، ومن هنا يجب الحديث عن الموقف الإيراني من زاوية سياسية وليست طائفية دينية، علينا تعرية المشروع الانقلابي الإيراني عبر استنبات ميليشيات مسلحة ودولة عميقة داخل الدولة أكثر نجاعة من الدوران في فلك المفاهيم الدينية التي تستخدم كأداة تعبئة وليست كهدف نهائي.

تصاعد التفوق الإيراني مرهون بعدم انهيار الداخل على خلفية الأوضاع الاقتصادية الصعبة بسبب انهيار أسعار النفط، وهناك تقارير كثيرة عن انتشار ظاهرة غسل الأموال بسبب تدفق هائل لأموال نقل المخدرات وتهريبها.

إشكالية إيران هي مسؤوليتها عن التمدد السياسي وتبعاته الاقتصادية، حيث عليها أن تخصص فائضًا ماليًا هائلاً لأذرعها السياسية وتنظيماتها الموالية لها في لبنان والعراق واليمن، ودعم نظام بشار الأسد، ووفق استراتيجيات تحالف فعالة وبطيئة وتدريجية وبشكل منهجي يتجاوز ردود الفعل الوقتية، وهو ما تقف المملكة على النقيض منه حرصًا منها على عدم انهيار مزيد من الأنظمة السياسية العربية والمسلمة بسبب حالة الاستقطاب والعنف والإرهاب.

«حزم» الملك سلمان قطع الطريق على إيران الثورة وتدخلها في الشأن البحريني واللبناني واليمني والسوداني والقرن الأفريقي ودعمها اللامحدود لنظام الأسد الدموي، وإطلاقها للميليشيات الشيعية في سوريا... إلخ، ولا يمكن الثقة بدولة بهذا السلوك في المنطقة لمجرد تقدم طفيف في المفاوضات على الملف النووي، تاركة وراء ذلك كل هذا الخراب والعبث باستقرار المنطقة.

المنطقة على عتبة «انسداد سياسي»، وهناك أقلام وأفواه ومنصات إعلامية ستمارس هوايتها المفضلة في هذه الأجواء عبر الاصطياد في المياه العكرة، وصب الزيت على النار، واستعادة أدوات جديدة خارجة عن منطق الدولة، بدءًا باستقطاب الجماعات المسلحة الإرهابية، ومرورًا بكل الترسيمات والموضات الآيديولوجية التي جرّبناها منذ نهاية الاستعمار من اليسار إلى القومية إلى الإسلام السياسي، وهي أدوات لم تكن جزءًا من مشروع دولة، بل على العكس ظلت أهم مسببات تقويض استقرارها عبر المعارضة والتحالف مع القوى السياسية التي تريد القفز على السلطة أو التحول لأداة انتهازية تخدم المشاريع الانقلابية.

*نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.