.
.
.
.

الجزاء من جنس العمل لا المعتقد

محمد المزيني

نشر في: آخر تحديث:

هذا ما نعرفه وتعلمناه، وقبلنا بتطبيقه علينا وعلى غيرنا، الجزاء من جنس العمل، ومن يدعي غير ذلك فهو مجاف لجادة الصواب، مستنكف عن الحقائق الحاضرة والماضية.

ففي تاريخ المملكة القضائي، منذ أن توحدت على يد المغفور له الملك عبد العزيز، حتى عهد سلمان الحزم، ما يؤكد أن العقوبات والجزاءات والحدود الشرعية برمتها دائماً عادلة، لا تخضع لاستقطاب سياسي أو اجتماعي أو عقدي، بل تمر عبر بوابات شرعية محكمة، لا يمكن أن تقبل بالوصاية أو الإملاءات الخاصة، فما يصل إلى المحاكم لا يمكن أن يخرج الحكم إلا منها، ولا سيما متى تعلق الأمر بالمساس بالضرورات الخمس.

آخر تلك الأحكام ما نفذته وزارة الداخلية أخيراً، بحق 47 إرهابياً، حرابة وتعزيراً، لم تكن هذه الأحكام التي طال انتظارها أحكاماً اعتباطية، أو انتقامية جائرة لثلة من الناس اختلفوا مع الدولة أو تآمروا عليها فقط، بل إنهم أصابوا حرمات وأراقوا دماء، سواء بارتكابها مباشرة، أم المؤامرة، أم التحريض عليها بما دفع الجهال لارتكابها، وذلك بعد أن أسفر التحقيق معهم عن توجيه الاتهام لهم بارتكابهم للجرائم الموجبة لذلك، وإدانتهم بالمسؤولية عنها.

لم يكن لينظر في مثل هذه الجرائم المركبة إلى العشيرة، أو القبيلة، أو المذهب بعين الاعتبار، سواء أكان مصدر هذه الاعتبارات من مخاوف تنجم عن تنفيذ هذه الأحكام، أم مصالح ترتجى من المداهنة في تعطيل الأحكام الشرعية، في بلد ينظر إلى خصوصية هويته في تطبيق الشريعة الإسلامية، لذلك لن ينتقض عليها أو يخل بها مهما كلفها الأمر، فما دامت هذه الأحكام مرتبطة بشكل مباشر بشريعة الله التي لا تختلف عليها المذاهب الإسلامية برمتها، وهي معلنة ويعرفها القاصي والداني، وكل من دخل هذه البلد يعلم يقيناً بأنه خاضع لأحكامها وشروط العيش فيها فكيف بأبنائها، الذين كان الأحرى بهم أن يكونوا أول من يعمل حثيثاً على أمنها وسلامتها، وخصوصاً في ظروف تاريخية صعبة، أحاطت بها سهام المتربصين، وحفتها لعبة التآمر الشيطانية، بقيادة رأس الأفعى الإيرانية، وطموحات سدنة الإرهاب الـ«داعشي»، انجر وراءهم ثلة من الأغبياء في حرب شعواء على هذا البلد بصبغة سياسية ممذهبة، فاندفعوا كالعميان لا صوت لهم إلا بالبارود والأحزمة الناسفة، فأهلكوا بها أبرياء ودمروا الممتلكات.

هؤلاء لم يكونوا قتلة عاديين دفعتهم المواقف الساخنة لارتكاب جرائمهم، فحكم عليهم بالقصاص العادل بالمثل لتطهيرهم منها، هؤلاء جرائمهم مركبة، تبدأ من تبني الأفكار الضالة والمنحرفة، وخروجهم على نظام البلد وقيادته الشرعية، وشحن قلوب الشباب وعقولهم بأفكارهم الضالة والهدامة، لتنتهي بالقتل والتفجير والتدمير، ونحن نعلم علم اليقين أن هذه العدالة المنفذة في حق المجرمين الخارجين عن نسق شريعة هذا الوطن، ونسق العقل والأعرف، ستفجر صدوراً أوغرت بكراهيتها وعدائها لهذا البلد.

تلك الكراهية التي كانت عند البعض مستبطنة، توارى بالمداهنة والمصانعة، إلى أن أخرجت الأفاعي السامة رؤوسها، وتغلغلت في عمقها ودفعت بها إلى المواجهة الحية، ولنكن أكثر صراحة وشفافية في وقت أصبحت لغتها واضحة لا لبس فيها، وأسأل: منذ متى ورؤوس المفسدين والإرهابيين تتساقط من أبناء المذهب السني، من دون إحداث جلبة تذكر أو أدنى نبرة اعتراض واحتجاج؟ بل ما كان يحدث هو العكس تماماً، وقد رأينا كيف يصاب ذوو هؤلاء الإرهابيين بالخزي والعار جراء أفعال أبنائهم، ويسارعون بإعلان براءتهم منها واستنكارها على الملأ، بينما تفجر الضغينة عند ثلة من الشيعة على مجرميْن كانا في عِداد الـ45 إرهابياً سنياً، وأحرقت القنصلية السعودية في إيران، وقامت المظاهرات المدفوعة بحس فارسي إيراني نتن.

هؤلاء السذج تغاضوا عنوة عن مجازر ملالي إيران المستبدين بحق عرب الأحواز شيعة وسنة، تحت مظلة سياسية لا شرعية، ومع ذلك تصمت الحناجر وتسلم بقضاء إيران الظالم، بينما توضع المملكة بتحريض خارجي تحت المراقبة، ويدفع أبناؤها للخروج عن ربقتها، أنا لا أعمم حديثي هنا على شيعتنا، بل أتحدث عن أولئك الذين لا يفتأون يبحثون عن مناسبة يعبرون بها عن كرههم لها ويشنون ضدهم حملاتهم المغرضة، ويثبتون بما يشبه العمالة، أو لنقل العمالة الكاملة لإيران ووقوفهم معها قلباً وقالباً.

أظننا نضجنا اليوم بالقدر الكافي لنفهم ما يحدث بفعل كل الأحداث التي مرت بنا، لذلك وبلا مواربة أدعو كل مثقفي الشيعة ومبدعيهم، الذين تزاحموا في كل المواقع، ومنها مواقع التواصل الاجتماعي، إن كانوا صادقين حقاً بالوقوف مع وطنهم، أن ينددوا بالإرهاب الشيعي كما نددوا بالإرهاب السني، وكما نددنا نحن كتاباً ومثقفين ومبدعين بالإرهاب السني والشيعي مهما علت رتبة مرتكبيه، فهنا أعني أمام لوثة الإرهاب يجب أن تتساوى الرؤوس، وأن نقف في محراب الوطن وقيمه العادلة صفاً واحداً.

أعرف تماماً ثلة من أصدقائي الشيعة الذين لا يقبلون المساس أو العبث بأمن الوطن ومكوناته، سواء جاء هذا العبث من شيعي أم سني، ولهم مواقف مشهودة في ذلك، وهم لا يرون أنفسهم، بغض النظر عن المذهب، سوى أبناء حقيقيين لهذا الوطن، وأعرف ثلة منهم ما زالوا يخشون من تبعات براءتهم من الإرهاب الشيعي، خشية التكاثر الذي قد تجلبه عليهم هذه المواقف، لذلك يلجؤون إلى حيلة الصمت، ونحن نعلم جيداً أن كل الإرهاب المتفجر بيننا سواء أكان سنياً أم شيعياً مصطنع بأجندة سياسية، تهدف إلى تمزيق كياننا الشامخ الذي ارتضيناه بقيادة حكيمة موحدة يجسدها آل سعود، وإن كنا نختلف على التفاصيل الصغيرة التي لا تفسد لودنا ولحمتنا قضية.

اليوم علينا أن نلعن الإرهاب وقياداته الظلامية، ونضيء قناديل العلم والمعرفة، ونشرع جميعاً بكل إثنياتنا وطوائفنا للإسهام في بناء صروح وطننا، ونكيد كل الأعداء وعلى رأسهم إيران الفاشلة.

*نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.