.
.
.
.

وداعاً راشد!

خالد بن حمد المالك

نشر في: آخر تحديث:

دخلت بوابة الصحافة أول ما دخلتها بعد سريان العمل بنظام المؤسسات الصحفية، إثر إلغاء بعض ما يسمى صحافة الأفراد ودمج بعضها الآخر، وكان ذلك منذ خمسة وأربعين عاماً تقريباً، وقد اخترت صحيفة الجزيرة التي تصدر أسبوعياً كل يوم ثلاثاء لتكون وجهتي في بداية عملي في هذه الرحلة الصحفية الطويلة.

كان راشد فهد الراشد آنذاك يعمل فيها مديراً للتحرير وقائماً بعمل رئيس التحرير خلال الفترة القصيرة الممتدة بين انتهاء عمل أول رئيس تحرير للصحيفة في عهد المؤسسات الصحفية وهو الأستاذ عبدالعزيز حمد السويلم وخليفته الأستاذ عبدالرحمن بن فيصل المعمر ثاني رئيس تحرير لها، وإن كان مدير عام المؤسسة في ذلك الحين الأستاذ فيصل بن محمد الشهيل يقوم بعمل ما لا يستطيع المرحوم راشد الراشد عمله كمسؤول عن التحرير.

استقبلني راشد مشجعاً ومحفزاً بأكثر مما كنت أتوقعه، حيث مكنني من العمل وأتاح لي الفرصة لأخذ المساحات التي أريدها من الصفحات لتغطية النشاطات الرياضية، دون أي تدخل منه فيما ينشر فيها رغم انتمائه لنادي النصر كأحد مؤسسيه ومشجعيه، مع علمه بأني لا أنتمي إلى النصر، وإن كنت أرى فيه إلى اليوم واحداً ممن أثروا إيجاباً في تطور الرياضة في المملكة.

كان راشد صحفياً من الرعيل الأول، التحق بمدرسة خاله الشيخ عبدالله بن خميس صحفياً ناشئاً في مجلة الجزيرة الشهرية، فتطورت مهاراته الصحفية والكتابية، وتعلم من خاله وهو الشاعر والأديب والمؤرخ والكاتب أبجديات العمل الصحفي والكتابة الصحفية، فبزغ نجمه الصحفي مبكراً، بما لا يمكن القول عنه بأقل من أنه أحد رواد الصحافة في المنطقة الوسطى.

وفي صحيفة الجزيرة الأسبوعية حين كان مديراً لتحريرها في فترة خلوها من رئيس تحرير لها، كان حريصاً على الاهتمام بالمرأة فازدانت صفحاتها بتشكيلة من التنوع في الطرح النسائي باهتمام غير عادي بالصورة والكلمة والأسماء النسائية الكبيرة، بما لا تجده إلا في المجلات المصورة المتخصصة في هذا المجال، مع ما كان ذلك يثير عليه الكثير من التساؤلات المحبطة وغير المريحة له.

وفي الشأن الرياضي، وضمن اهتمامه بالشباب، وتحديداً في جميع الألعاب الرياضية، فقد أطلق يدي لأنتزع من صفحات الجريدة ما أشاء من صفحاتها لكي يكون حضور الصحيفة رياضياً فاعلاً ومنافساً للصحف الأخرى، رغم أنها صحيفة أسبوعية، ولم يتوقف الملحق الرياضي إلا عندما سافر المدير العام الأستاذ فيصل الشهيل في مهمة رسمية وأوكل عمله لعضو آخر من أعضاء المؤسسة الذي كان أول قرار له إيقاف الملحق عن الصدور.

في الثقافة كان اهتمامه موازياً للنشاطين السابقين، فقد أفرد عدداً من الصفحات للعناية بالأدب من شعر وقصة ومقالة نقدية وغيرها، بما جعل من صحيفة الجزيرة آنذاك واجهة صحفية مشرفة بقياس مستوى الصحف آنذاك، رغم محدودية الإمكانات البشرية والطباعية والمالية، وتواضع تسويق الصحف.

وكان أهم ما يميز راشد الراشد - رحمه الله - بحسب انطباعي الشخصي ومعرفتي بالرجل حسن استقباله لزملائه وتلامذته وغيرهم، ولعل من يعرفه جيداً يتذكر تلك الضحكة المجلجلة التي يعبر بها عن امتنانه وفرحه الشديدين كلما التقى بعد طول غياب بمن كان على صلة أو معرفة سابقة بهم.

لقد فقدت الصحافة بوفاة أخي الأستاذ راشد فهد الراشد أحد نجومها الذي لم يأخذ حقه وظيفياً فيها، مع أنه كان قد رهن نفسه وتاريخه لها، عازفاً عن العمل في أي مهنة غيرها، فقد جرب أن يعمل في أكثر من جهة خارج ميدان الصحافة، إلا أن حنينه وشوقه للصحافة ما يلبث أن يعيده سريعاً إلى وهجها وإثارتها وحبه لها.

ومع كل هذه المسيرة الممتدة إلى أكثر من نصف قرن، فإن راشد لم يكرم في حياته بما يستحق، ولم يثمن دوره كما ينبغي، وغادر الدنيا وكأنه لم يكن جزءاً مهماً ومؤثراً في الصحافة، فلعل أمير منطقة الرياض سمو الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز، يقدر له هذا الجهد وإن جاء متأخراً، وإن تم بعد موته، بإطلاق اسمه على شارع يؤدي إلى منزله ولو كان شارعاً صغيراً لتذكير الجميع بأن الوطن سيظل يحتفظ بالوفاء لمن قدَّم عطاءً مميزاً من أبنائه، وراشد في نظري هو أحد هؤلاء.

رحم الله الفقيد راشد الفهد الراشد، وتغمده بواسع رحمته ورضوانه، وألهم زوجته وأبناءه وبناته وأشقاءه وأسرته الكريمة الصبر على قضاء الله وقدره.

*نقلاً عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.