.
.
.
.

إجازة الربيع (المشطورة)!

أحمد الهلالي

نشر في: آخر تحديث:

وجاءت إجازة الربيع، وإن شئتم الدقة (نصف إجازة الربيع) المعهودة والتي كانت بمثابة صيفية مصغرة، تستوعب على قصرها الكثير من المناشط الأسرية والاجتماعية، فشاء المسؤولون في وزارة التعليم العدل بين الفصلين الدراسيين، بأن يمنحوا كل فصل إجازة خاصة به، تحمل شيئا من سماته، فلم يجدوا إلا إجازة الربيع فشطروها من المنتصف، أبقوا نصفا نهاية الفصل الأول، وطار المسمى الشاعري (إجازة الربيع) ليتلون مرة (إجازة نهاية الفصل الدراسي الأول) ومرة أخرى (إجازة منتصف العام)، ثم رحّل العادلون الشطر الثاني إلى الفصل الثاني، وصار مسماه (إجازة منتصف الفصل الثاني) وكما ترون فقد حمل كل أسبوع اسم فصل، وهنا يجب أن نتنبه إلى غاية العدل التي توخّاها المقسطون في وزارة القسطاس، عفوا أقصد وزارة التعليم.
بنظرة بسيطة خالية من تعقيد الأشياء، لو نظرنا إلى جغرافية المملكة مترامية الأطراف، والمتباينة التضاريس والأحوال الجوية، ونظرنا إلى التركيبة الديموجرافية المعقدة من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى الغرب، مرورا بالوسط في كل الأحوال، سنجد أن أغلب المواطنين لا يسكنون في مناطقهم الأصلية، بل يتقلبون في كل أرجاء البلاد بيسر وسهولة، لكن كل إنسان منّا له ظروفه التي أبعدته عن والديه وأقاربه وأصدقائه وزملائه القدامى، وإجازة الربيع من أفضل الإجازات، ولها مميزات شتى تختلف عن باقي الإجازات، مثل الوفرة المادية، فإجازة الصيف تتكاثر فيها النفقات بين (رمضان/ والعيد/ وبداية الدراسة/ وعيد الأضحى) مرورا بمناسبات الزواجات التي ترحلت كلها إلى الصيف، ومن مميزات إجازة الربيع -أيضا- أنها تقع في فصل الاعتدال المناخي خاصة على منطقة الحجاز بحرميها الشريفين أو ببحرها، وكذلك المنطقة الشرقية والجنوبية، فتتسع مساحات الاعتدال على امتداد الوطن عدا بعض المناطق الباردة، لكن الصيف على العكس تنتشر حرارته في كل الأرجاء، وتتبقى مساحة ضيقة في المرتفعات تهوي إليها جيوب بعض الناس (المدرهمين). وتأملوا معي حالة رجل من جازان يسكن مدينة عرعر، كم يحتاج حتى يزور والديه في الجنوب، يمضي في طريقه يوم الجمعة، وربما يصل بعد عصر السبت، يحتاج إلى بقية اليوم للراحة، بقي من الإجازة خمسة أيام وزّعوها بين زياراته وفسحته وواجباته الاجتماعية وطريق عودته، وراحته وتهيئة نفسه وأبنائه للدوام في الأسبوع القادم، ولا مزيد من الأمثلة المعروفة.
بتروا إجازة الربيع من نصفها، ظنا منهم بأن الناس تعودوا على تقطع الدراسة في الفصل الأول، فاستمر التقطيع في الفصل الثاني، وما حاجة الطالب إلى نتف الإجازات التي لا تورثه إلا الكسل بعد قطع نشاطه وهمته وتركيزه في المقررات، ونحن نعلم أن إجازتي رمضان والحج إجباريتان، والطالب وولي أمره ومعلمه متفقون على هذا، ونلاحظ كم يقتلون من أسابيع الله قبل وبعد كل إجازة، ونزيد (الطين بلة) بإجازة منتصف الفصل الثاني، و(يزرف) قبلها الطلاب يومين على الأقل، وبعدها يومين، والوزارة تهدد وتتوعد لكن ماذا تستطيع أن تفعل؟!
لكم حاولت مرارا وتكرارا فهم الحكمة من هذه الإجازة، لكن كل درب من دروب التفكير فيها يقودني إلى طريق عمياء، فلو افترضنا أنها لتجديد دماء الدارس والمدرس، فالأمر ليس سباق اختراق الضاحية أو العمل في حقل يحتاج الكادح فيه إلى راحة ساعة أو ساعتين ليتجدد نشاطه الجسدي فيكمل، بل هو دوام لا يتجاوز 7 ساعات يعود بعدها الإنسان ويرتاح، ولديه أيضا يومان في الأسبوع يرتاح خلالهما، وقطع الفصل بإجازة عارضة لا مبرر لها ( في نظري على الأقل) ستقطع حبل استقبال الطالب للمعلومة وربطها بما يسبقها في الفترة الأولى السابقة للإجازة، غير انفراط ضبط ساعته البيولوجية، ليحتاج إلى مدة لاستعادة ضبطها، وفي هذا معاناة ستؤثر حتما على تحصيله الدراسي.
لست هنا أتحدث عن سياسات التعليم، ولا التربية، لكنني أتحدث عن حاجات مجتمعية يجب أن يلتفت إليها القائمون على التعليم، وأثق أن الوزير الدكتور أحمد العيسى سيلتفت إليها، ويعيد الشطر المرحّل من إجازة الربيع إلى مكانه وربما يزيده أسبوعا حتى تصبح واحدا وعشرين يوما لا تقبل القسمة على الفصلين حين يتولى الوزارة (عادلون) جدد؛ لنستطيع فك اختناق الصيف (الحار) بالمناسبات، وترحيل بعضها إلى إجازة الربيع، ويستطيع عشاق السياحة الخارجية السفر إلى وجهاتهم المفضلة في الربيع، فمعظم الناس تحرمهم المناسبات الدينية والاجتماعية وظروفهم المادية من السفر صيفا، أما السياحة الداخلية فلا أظنها تتجاوز مكة والمدينة أو التخييم في البر، بعد أن صار السفر إلى تركيا أسبوعا كاملا بالطائرة، ربما يعادل نصف تكلفة استئجار قارب من شاطئ (الليث) إلى جبلها في اثنتي عشرة ساعة مما يعدون، وليت عادلي التعليم ينتقلون إلى السياحة.

*نقلاً عن "مكة المكرمة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.