.
.
.
.

(الإجماع العربي.. لما بعد الورق!)

علي القاسمي

نشر في: آخر تحديث:

لو أجمع العرب على ترتيب الذين يسعون في تدميرهم وخرابهم وتفتيت مجتمعاتهم لكان ذاك فعلاً متفائلاً ومرشحاً لمستقبل بعيد عن الركون إلى الآخر الذي لن يدخل في أي مشهد عربي مهزوز، إلا وهو مدرك بأن ثمة عوائد ربحية هائلة تذهب للجيوب وتغري في لعبة إشعال الحرائق والجري السريع البريء في محاولة إطفائها على اعتبار أن الإشعال خطوة مستترة مجهولة المصدر فيما أن الإطفاء مشروع إنساني نبيل لا يعرفه إلا الأقوياء والكبار تحديداً. أن يتفق العرب، وفي خطوة غير مسبوقة في تقزيم إيران، فهنا يمكن القول بأننا وضعنا الأقدام على السلم الأول في مشوار طويل لمعالجة الجراح والنظر بطريقة نقية ومشرفة لكل القضايا التي تُطعن بها بلداننا العربية ولسنوات طويلة، فتارة تُطعن بها من الغريب، وتارة يمارس التلذذ بالطعن ابننا القريب المؤدي لدور أداة التنفيذ في يد الغريب، وتارة نصفي بعضنا في ممارسات تجعلك كارهاً لكل ما يدعى «عربياً». الاتفاق العربي في الرؤية -مع ضرورة الإشارة للاستثناء اللبناني لتورطه مع حزب الله- في تحجيم النفوذ المتزايد لطهران يجب ألا يبقى أسيراً للورق وتوصيات الختام وجمل التعاطف سريعة الإعداد والتحضير وسريعة النسيان أيضاً.

هذا الاتفاق إن لم يأخذ مساراً ثابتاً في الإجراءات والتوجهات المستقبلية الممهورة بقوة غير قابلة للتراخي وشجاعة لا تعرف الخوف فلن يكون إلا عنواناً عريضاً في الأوراق والصحف نضعه مع عناوين أخرى كانت شاغلة للمتابعين والمنتظرين بضعة أيام، لكنها ماتت بالتدريج في ظل الواقع البائس وسيل التنازلات والمجاملات والعبث بالمشاعر والضحك على العقول. الاتفاق العربي المبدئي لن يعني شيئاً سوى أن نفرح قليلاً بأن العرب اجتمعوا بشكل أقرب للكمال على تحديد خطر واحد ومشروع مستفز ذي أظافر طويلة لم يسلم منها وطن عربي، وسجلت هذه الأظافر تدخلات كثيرة وعبثاً متجاوزاً واستفزازاً كان يعبر في السنوات الطويلة لتغليب الصمت والصبر، وربما لأننا في حاجة عربية إلى النضج في سبيل قلوب أقوى. ست دول عربية قطعت علاقاتها الديبلوماسية مع إيران ونظل في انتظار بلداننا العربية المتبقية فهذه الخطوة الإجرائية لازمة وحازمة ومؤشر صريح في أن هناك ثماراً أبعد من الحبر في محيط الإجماع على القص المرحلي لأظافر إيران، تعبت المنطقة العربية من التوترات والخصام الدائم والصراعات الباردة والساخنة، وملت من مفردات التوتر والوضع المأسوي والتدخلات السافرة في شؤونها وبث الفتن والذعر في جنباتها، أُرْهق العرب حد التفتت بالطائفية والمذهبية وبلعهم للأزمات والتهديدات، فلم يعد بقدرتهم مواجهة أعدائهم على انفراد ولن يكونوا كذلك ما دامت حبالهم الصوتية تصرخ في صوت واحد، لكن قلوبهم لا تقوى على إنجاح صراخ الحبال الصوتية ولو بإجراء يقفز من خانة الشكل إلى الموضوعية البحتة. العرب منذ زمن طويل مستعدون للوقوف إزاء أي مهدد، لكن الاستعداد القولي وحده لا يكفي، ومع الزمن واستعادة المواقف والأحداث ستستمر القناعات في أن هذا الاستعداد ليس إلا ظاهرة صوتية مزعجة.

*نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.