.
.
.
.

صنع في السعودية

أميمة الخميس

نشر في: آخر تحديث:

ثقافة الصحراء لها خصائص الآني والموقت المسكون بتفاصيل الرحلة وعتاد الرحيل، مراسم الكثبان الرملية المرهونة لمزاجية الرياح، قلق القصائد الشفوية التي يتداولها الرواة مابين تدليس وإضافة، ثقافة الصحراء نافرة متفلتة بهشاشة أعمدة الخيام التي تتقوض وتنصب، وبينهما يمر شتاء وربيع وقطعان غيم.

الثقافة الصحراوية قدر الأطلال الأبدي تستغرقه دروب القوافل مابين مصطاف ومتربّع، وحس جمعي كان ينظر إلى العمل اليدوي بشيء من الدونية والانتقاص، لذا وأي مشروع لتخليد ملامح هذه الثقافة وتفاصيل ملامحها ومقتنياتها بالتأكيد هو مشروع نبيل واستبسالي تماما كما هو مشروع جمعية أصايل التعاونية، التي تهدف إلى دعم الحرف اليدوية، والأسر المنتجة لهذه الحرف.

وحينما نحافظ على حرفة من الاندثار، فنحن بالتأكيد نحافظ على أحد تضاريس الهوية الوطنية من الاضمحلال والاندثار، نحافظ على جزء من علاقتنا بالبيئة والمكان وبذوقنا الجمالي، الشكل ورقصة المتواليات، نزيف اللون بين الأصابع المبدعة.

المنتجات الرخيصة، والمصنوعات الصينية ليس فقط انتهكت مجالنا الحيوي، بل أيضا دلست تاريخنا وطمسته، ووضعتنا على حافة الحفرة الاستهلاكية النهمة التي لا قاع لها.

طالعت وصية عمرها 75 عاما كتبت في منطقة نجد، فوجدت أن صاحب الوصية يوصي بممتلكاته الثمينة التي كانت عباءة، ومجموعة من السجاد، ومثعابا، وسحلة، وبعض الأدوات التي كان يستعملها على امتداد مراحل حياته ودخلت في طور الدائم اللصيق.

بينما الآن أكبر خدمة استهلاكية من الممكن أن يقدمها لك منفذ بيع هي ضمان عام واحد من تاريخ الاقتناء، ذلك الضمان الذي بالتأكيد سننسى الحصول عليه عند البيع.

ثقافة الهدر والاستهلاك كان ضحيتها الأولى هي صناعتنا المحلية ومشغولاتنا اليدوية، فهي تنتج داخل بيئات اجتماعية بسيطة لاتملك مكر السوق ولا قوانين المنافسة، لذا كان قدر الاضمحلال والاندثار وكثبان الرمل يحدق بها.

ومن هنا تظهر أهمية الخطوات الوطنية النبيلة التي تخطوها جمعية أصايل في حماية ذلك الجزء من الذاكرة الوطنية:

- جمعية أصايل تدعم الحرفيين لتسويق منتجاتهم محليا ودوليا.

- السدو والتطريز بالخرز.

- الرسوم والنحت على الخشب.

- مشغولات سعف النخل.

- الطبخ والمعمولات الغذائية.

- نقش الحناء.

فشكرا لمضمار الأصايل التي تصهل فيه الخيول النجيبة، يبقى أن يتطور الدعم الداخلي وحول العالم، فيتحول درب الحج إلى نوافذ تطل منها تلك المنتوجات، هدايا فاخرة للوفود الرسمية والزوار، منافذ بيع لامتناهية في المناطق الشعبية، مع شهادة مصدقة من هيئة السياحة تضمن للمشتري بأنه صناعة يدوية وطنية، كما هي الحال في المناطق الأثرية في إيطاليا وألمانيا.

وشكراً للزميلة فاطمة العنزي التي منحتني هذه النوافذ لأطل على حقل أخضر يبرق بالوعود بين مهارة الأنامل، وجمال تجليات اللون.. فيعيدان صناعة خرائط ملامحنا من جديد.

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.