.
.
.
.

الرئيس الصيني.. أخيراً في الشرق الأوسط

أيمن الحماد

نشر في: آخر تحديث:

أخيراً وبعد انتظار طويل يحل الرئيس الصيني شي جين بينغ في الشرق الأوسط، ويفتتح جولته لهذه المنطقة بالشريك الاقتصادي الأول المملكة، التي تضاعف حجم التبادل التجاري بينها وبين الصين 240 ضعفاً منذ انطلاق قطار العلاقات في مطلع التسعينيات، ليبلغ هذا العام 70 مليار دولار.

في مارس المقبل يكون الرئيس الصيني شي جين بينغ قد أتم عامه الثالث وهو في سدة الحكم، وعلى الرغم من أهمية المنطقة بالنسبة للمصالح الاستراتيجية للصين، فقد فضّلت القيادة الصينية تجنّب المنطقة خلال الأعوام الماضية، وتوجّهت صوب أفريقيا، إذ زار الرئيس الصيني القارة الأفريقية مرتين خلال فترة رئاسته.. وبسبب الفوضى التي ضربت المنطقة انصرفت بكين عن الشرق الأوسط الذي يمر بفترة هي الأصعب منذ الحرب العالمية الثانية، ويبدو أن الجولة الجديدة التي يبدؤها الرئيس شي جين بينغ تأتي في ظل أجواء تشعر الصين معها أن المنطقة قد تكون مقبلة على تسويات وأنها قادرة على الإسهام فيها.

بالنسبة للمملكة -التي زيّنت شوارع عاصمتها الرياض بأعلام الجمهورية الصينية احتفاءً بالضيف الكبير- فإن بكين تأتي في المقام الأول كشريك ذي أهمية قصوى في المجالين السياسي والاقتصادي، إذ ترى المملكة في الصين دولة تقود هذا القرن الآسيوي بامتياز، باعتبار بكين قوة وازنة في عالم متعدد الأقطاب ينزع تجاه تحرير أسواقه ومنظماته من سيطرة طرف على باقي الأطراف، لذا تزامنت موافقة مجلس الوزراء يوم أمس على الاتفاقية التأسيسية للبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، لتصبح المملكة من الدول المؤسسة لهذا البنك الذي جاء بمبادرة صينية. يمتد الاهتمام السعودي بالصين ليشمل شراكة في المشروع الريادي الذي أطلقه الرئيس الصيني شي جين بينغ المسمى "طريق الحرير" والذي تعتبر المملكة فيه منطقة الالتقاء الغربي ل"الحزام والطريق".. إن هذا المشروع قد تهدده الأخطار إذا لم يتم دفعها؛ وأبرزها الإرهاب، لذا فإن التعاون الأمني والعسكري بين البلدين ضرورة وليس خياراً.

إن للمملكة الرغبة الكاملة في التعاون مع الصين في مجالات خارج القطاع النفطي، فعلى الرغم من هبوط أسعار البترول وتنوّع خيارات الطاقة يبعث افتتاح الرئيس الصيني لمركز الملك عبدالله لأبحاث البترول وكذلك مصفاة "ياسرف"، إشارة واضحة أن الصين ستواصل اعتمادها على الطاقة القادمة من المملكة، والأرقام تقول إن بكين استوردت نفطاً من الرياض أكثر من العام الماضي.

إن أهم المجالات التي يمكن الاستثمار فيها هي تلك التي تدفع بالمملكة والصين للتعرف على بعضهما بشكل أوثق من خلال تشجيع التبادل الثقافي، كما أن المملكة متلهفة للحصول على التقنيات الصينية في مجالات مختلفة سواءً صناعية أو عسكرية أو غيرهما.

إن الجانبين السعودي والصيني يشهدان مرحلة تحوّل في إدارة اقتصاد بلديهما، وهذا من شأنه أن يدفع الطرفين للتباحث والنقاش من أجل الاستفادة وتعزيز الشراكة، فكما أسهم النفط في ازدهار البلدين؛ فإن مرحلة الشراكة خلال فترة تنويع المداخيل الاقتصادية ستؤتي ثمارها بلا شك. تثق المملكة بالصين وقدرتها على التأثير بحكم تميّز علاقاتها مع جميع دول المنطقة ومنها إيران.. لذا فإن الرئيس الصيني -الذي سيزور إيران خلال جولته الشرق أوسطية- يمكن أن ينصح القيادات الإيرانية بضرورة احترام مبادئ حسن الجوار والالتزام بالمواثيق والأعراف الدولية، وكلنا نعرف مدى تمسك بكين بالمرجعية الدولية في هذا الخصوص، فإيران يجب أن تكف عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج والمنطقة العربية، لأن تلك التدخلات أضرّت بالحالة الأمنية والسياسية في المنطقة، وتهدد مقدراتها ومصالح الدول الكبرى فيها وفي مقدمتها الصين. إن للمملكة سياسة مستقلة وسجلاً حافلاً بالاتزان والحكمة والصبر؛ لكن لا يمكن استغلال هذا الحلم السعودي لأن عواقب ذلك ستكون وخيمة، فكما تفعل بكين في منطقتها حيث تتم مضايقتها والتعدي على حدودها من قبل بعض الدول هناك بتحريض من قبل دول كبرى، تقوم الرياض بنفس الدور لوقف استفزازات طهران لها وللجوار، والتي لا يمكن في مقابلها إلا اتخاذ الإجراء الرادع الذي يحفظ أمن المملكة.

نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.