.
.
.
.

تنويع مصادر الدخل والحلقة المفقودة

برجس حمود البرجس

نشر في: آخر تحديث:

استدامة الأعمال واستراتيجيتها اعتبارات أساسية لتنويع مصادر دخل الدولة، ويجب أن يشمل التنويع اعتبارات للوظائف وليس فقط لزيادة دخل الدولة. بنظرة عامة يتخللها بعض الاستثناءات والمثالية للتوضيح فقط، مفهوم تنويع مصادر الدخل في المملكة العربية السعودية بشكل خاص يجب أن يكون إيرادات من أعمال ليست متعلقة بالنفط بشكل مباشر ولا غير مباشر، والهدف منها استدامة الدخل عند ضعف إيرادات النفط لأي سبب. الأعمال المباشرة بالنفط واضحة كالقطاع البتروكيماوي الذي ترتبط أسعاره بشكل مباشر بأسعار النفط، أما الأعمال المرتبطة بالنفط بشكل غير مباشر فهي كثيرة جدا، ويكاد لا يخلو إيراد لدينا ليس مرتبطا بها عدا عوائد الاستثمارات من الخارج، وإن كانت أصولها من النفط ولكن لا بأس بذلك، وأيضا إيرادات الحج والعمرة من حجاج ومعتمري الخارج، أما حجاج ومعتمرو الداخل "سعوديون وغير سعوديين" أموالها معتمدة بشكل أو بآخر على إيرادات النفط.

لنتعرف على التركيبة الأساسية لدوران الأموال في المملكة، فالأموال التي تدخل للمملكة من عوائد النفط تأتي من الخارج، وتصرف الميزانية العامة للمملكة 300 مليار ريال على رواتب الدولة، المدني والعسكري، ومصروفات تصل إلى 500 مليار ريال تقريبا منقسمة بين مشاريع الدولة وتشغيل وصيانة مرافق الدولة من مدارس ومستشفيات ومرافق أخرى. هذه الـ500 مليار ريال تشغل القطاع الخاص على تلك الأعمال، والذي يشغل قطاعا خاصا آخر لخدمات ومواد وسلع، ولذلك جميع رواتب القطاع الخاص والعام في المملكة يعتمدون على النفط في رواتبهم بشكل مباشر أو غير مباشر، وكذلك مشترياتهم من الخدمات والمواد، لدرجة أنه يصعب التعرف على أي شيء مما سبق ذكره ليست له علاقة بالنفط.

القطاع الحكومي العام المدني والعسكري يشّغل القطاع الخاص الذي يشغّل قطاعات خاصة أخرى، فجميعهم يصرف رواتب 400 مليار ريال سنويا للسعوديين (300 مليار ريال للقطاع الحكومي، و100 مليار ريال للقطاع الخاص)، ويصرفون أيضا 100 مليار ريال سنويا على رواتب غير السعوديين، ولكن الأجانب يحولون 160 مليار ريال سنويا أي أكثر من رواتبهم، ويصرف القطاع الحكومي والخاص على المصروفات الأخرى كالخدمات والسلع مبالغ كثيرة جدا أصلها من الـ500 مليار ريال التي تصرفها الحكومة على مشاريع الدولة وتشغيل وصيانة مرافقها.

إيرادات الدولة من الطاقة المحلية بنزين وديزل وكهرباء أساسها من النفط، وإيراداتها من السكان والشركات والتي أصل أموالهم من النفط كما سبق ذكره، ومبيعات التجزئة في السوبرماركت والمولات والمطاعم والأثاث أصلها من الرواتب، فالضريبة عليها أصلها من عوائد النفط، إيرادات الاتصالات والبنوك من تلك الرواتب عدا استثماراتها الخارجية، فدخل الدولة منها كمستثمر أصلها من عوائد النفط، ودخل الدولة من رسوم العمالة الوافدة والخدمات العامة أصلها من عوائد النفط، إيرادات الجمارك للسيارات والمعدات والأجهزة والإلكترونيات أصل أموالها من عوائد النفط، وهكذا البقية فيما عدا الاستثمارات في الخارج وعوائد حجاج الخارج كما سبق ذكره.

إذا إيرادات المملكة غير النفطية من رسوم ومبيعات وقود وطاقة وجمارك وغيرها كثير تأتي من الإنفاقات الحكومية التي هي من عوائد النفط. فلو انخفضت عوائد النفط لانخفضت الإيرادات غير النفطية، لأنها بالأساس نفطية، وكذلك إذا اقترضت الدولة لتدعم المشاريع والتشغيل والصيانة، فجزء من الإيرادات غير نفطية تأتي من هذه القروض في أصلها.

لو افترضنا أننا طورنا الزراعة والسياحة فالعوائد التي تأتي من صادرات الزراعة للخارج ومن السواح القادمين من الخارج يعتبر تنويعا لمصادر الدخل، ورواتب هذين القطاعين يعتبر ليس معتمدا على النفط، وهذا جيد، ولكن مبيعات الزراعة للداخل وعوائد السياحة من سواح الداخل لا تعتبر تنويعا لمصادر الدخل، لأن المشتري يحصل على راتبه من دخل النفط كما سبق ذكره في بداية المقال، وكذلك رواتب من يقوم على هذه الأعمال في الزراعة والسياحة يعتبر معتمدا على النفط. طبعا نذكر هذه التفاصيل للتوضيح، ولكن بيع المحصولات الزراعية للداخل تعتبر منعا من استيراد محصولات من الخارج، وأيضا جذب سواح من الداخل يعتبر منعا من سياحتهم في الخارج، وفي كلا الحالتين نكون منعنا تحويل أموال إلى الخارج كان أصلها من عوائد النفط. لو عملت المملكة مصانع للسيارات ومعدات وأجهزة فإن كان عدد عمالتها غير المعتمدة على النفط قليلة جدا فتلك الصناعات ستعتمد في مبيعاتها على موظفي الحكومة والقطاع الخاص الذين ذكرناهم في بداية المقال، وبذلك تكون الأعمال معتمدة على النفط. ولذلك المملكة بحاجة إلى أن يكون 70 % من رواتب موظفيها في القطاع الخاص، والتي تكون أعمالهم غير معتمدة على النفط، وهذه الرواتب الـ70 % ستحرك الاقتصاد بشكل كبير، فحتى بنزين سياراتهم وفواتير كهربائهم التي تحصلها الدولة لا تعتبر معتمدة على النفط. نتحدث هنا عن الدخل لخزينة الدولة من الداخل كمرحلة أولى، ولكن الهدف الكبير هو زيادة الإيرادات من خارج المملكة من الصناعات والخدمات غير النفطية والبتروكيماويات.

علينا الاستثمار في البحوث والتطوير والابتكارات والدراسات كثيرا وطويلا لكي نتخلص من الاعتماد على النفط بشكل كبير وبداية الألف ميل تبدأ من الميل الأول. نحن بحاجة إلى أعمال تعتمد في أصلها على فكر الإنسان ونستطيع تصدير غالبية منتجاتها للخارج لنتخلص من إدمان النفط، وهذه الأعمال يجب أن تكون خلاقة للفرص الوظيفية، فالاستثمار بـ70 مليار ريال في شركة صدارة للبتروكيماويات في الجبيل والتي تعتبر من أكبر شركات البتروكيماويات لن يولد أكثر من 5 آلاف وظيفة مباشرة، بينما لو كانت تلك الاستثمارات في صناعة أجهزة ومعدات لوفرت 50 ألف وظيفة.

شركات الخدمات التكنولوجية ولّادة للفرص الوظيفية وبرواتب مجدية، فشركة مايكروسوفت لديهم 128 ألف موظف، آي بي ام 412 ألف موظف، أوريكال 123 ألفا، انتل 104 آلاف، جوجل 55 ألفا، وشركة آبل 98 ألفا. وكذلك شركات الصناعة التي تدفع رواتب عالية أيضا فشركة فولكس واجن 560 ألف موظف، سيمنز 357 ألفا، تويوتا للسيارات 344 ألفا، هيتاشي 333 ألفا، سامسونج للإلكترونيات 307 آلاف موظف، والكثير غيرها. طبعا هناك كثير من الشركات الأخرى في أعمال الخطوط والطيران والقطارات والاتصالات وبقية الخدمات.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.