.
.
.
.

سعودي في ضيافة هندي

عبد العزيز المحمد الذكير

نشر في: آخر تحديث:

في مطعم أوربي راقٍ عتب رئيس الخدم على أسرة سعودية حجزت مائدة أكل على عددها، وعلى القرب منهم خادمتان جلستا على طاولة أكل متواضعة بمقعدين فقط. وبما أن الموضوع ليس فيه ما يخالف القانون، إلا أنه يُخالف العرف في تلك البلاد لأن خدم المنازل عندهم لا يختلفون في المساواة مع أهل المنزل، والعلاقة متمكنة وهذه المدرسة تُسهّل على الطرفين الأعمال.

وقرأتُ عن هندي كان يعمل عند سعودي مدة طويلة، ونشأت بينهم ثقة وعلاقة طيبتان، وحافظ الاثنان على تلك العلاقة المميزة حتى بعد أن ترك الهندي العمل وغادر إلى بلاده برغبته.

وفي إحدى زيارات الكفيل للهند قرر الاتصال بمكفوله القديم لزيارته والسؤال عن حاله، فأصرّ الهندي على دعوة كفيله السابق إلى غداء فأجابه الكفيل شاكراً. ودعا الهندي جيراناً وأقارب. وعند تقديم الوجبة طلب الهندي من الحضور الدخول إلى غرفة الأكل لتناول الغداء وترك مكفوله لحين انتهاء الضيوف من تناول الطعام. بعدها قال لكفيله السابق، تفضّل، الغداء جاهز!

تعجّب المدعو من تصرّف كهذا وسأل مكفوله عن السبب فقال الهندي: ياعمي.. أنا خدمتك سنين، ولا أذكر أنني تناولت لقمة معك (وأنتم تقولون لمن تحبون: بيننا عيش وملح! وأريدك الآن أن ترى أنه لا فرق بين الناس في العيش والملح، ولا فضل لمخدوم على خادم في هذه الأحوال.

وأهلنا في الحجاز كانوا ملتزمين بتلك العادة قديماً، حينما كانوا يوظفون صبياناً. أي أن الجميع يجلسون على (السماط)- وشاهدتُ هذا بنفسى عندما كنتُ في الثانوية بجدة، ويحدث أن نتناول الوجبات في بيوت زملاء من جدة أو مكة.

وقال العقاد في كتابه عبقرية عثمان: إن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى الخدم وقوفاً لا يأكلون مع سادتهم في مكة غضب وقال لسادتهم مؤنّباً: ما لقوم يستأثرون على خدامهم؟ ثم دعا بالخدام فأكلوا مع السادة في جفان واحدة.

والغالبية في مجتمعنا المعاصر للأسف يعتبر الخدم صنفاً من الناس يحسبه البعض نوعاً آخر من المخلوقات، يتلوى ألماً بين أبخرة الطهو ودخان ماء الغسيل، وغبار تنظيف البيت والعمل الشاق المتواصل في المزرعة أو المتجر، أو الإستراحة أو المخيم أو غير ذلك من الأعمال الشاقة، ليس لهم ثقل اجتماعى، ولا حق إنساني، ولا حتى الإحساس بوجودهم ولا مجرد الشكوى من متاعب العمل ومذلة السخرة وامتهان المشاعر، إنما هم مظهر من مظاهر الوجاهة الاجتماعية لكل سيد استعبد أكبر عدد منهم أو رئيس جعلهم تحت يده.

*نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.