.
.
.
.

مجلس جدة البلدي والعلاقة المأزومة بالمرأة !

أمل زاهد

نشر في: آخر تحديث:

على مدى أسابيع شغلت قضية رفض عدد من أعضاء المجلس البلدي الذكور بجدة الجلوس على الطاولة مع السيدتين ،اللتين نالتا ثقة الناخبين ،ساحتنا الثقافية لتصبح قضية القضايا بين حزبي التجديد والتقليد كما اعتدنا في كل ما يخص المرأة. بينما يتفرج العالم على اجترارنا لمسرحياتنا العبثية المعتادة ، وجدلياتنا القادمة ارتجاعياً من زمن آخر ، ولا يخلو الأمر من تناول ساخر لهذه القضايا في الإعلام الغربي ، أو من عزف نشاز على أوتار المبالغات الفاقعة أو الشائعات الفاقدة للمصداقية في الصحافة العربية !

في تقديري أننا نعود دوماً للمربع الأول في علاقة المجتمع المرتبكة والمأزومة مع المرأة ، -بل وعلاقة المسؤول نفسه الأكثر تخبطاً بها -، لأن الحقوق والتحديثات المتعلقة بها لا تقدم بالتوازي مع تأسيس فكري وتفكيك ثقافي في التعليم والإعلام والخطاب الاجتماعي والثقافي ، تنقض من خلاله الأفكار المغلوطة المتجذرة في العقل الجمعي عن المرأة ، ومكانتها، وأهمية مشاركتها في الشأن العام بفضاءاته المختلفة . ليخضع كل أمر جديد يخصها للخلط بين الثقافي والشرعي ، ويتحول ماهو محض تقليد ومتغير اجتماعي إلى شرعي ثابت، طبقا لقراءة بشرية ضيقة لا تستطيع مواكبة تحديات العصر والتنمية ! لنعود لذات المربع الارتكاسي مرة بعد مرة ، ولذات الجدلية عن الضوابط الشرعية ومصطلح الاختلاط ، وكأننا بدع عن العالم الإسلامي ، وحتى لانذهب بعيداً العربي الخليجي المحيط بنا،والذي يشبهنا كثيراً في طبيعته الثقافية وقيمه الاجتماعية !

ولا أدل على ماذكرت من غياب للرؤية من ارتباك الوزارة في قضية البت في أمر مجلس جدة ، فبعد أن صرحت أنه شأن خاص بالمجلس البلدي يحسمه المجلس نفسه ، عادت لتقطع الأمر بالقرار الوزاري . وذلك بنفي المرأة في حجرة معزولة بعيداً عن مركز صناعة القرار الحقيقي ، داخل دائرة مغلقة يعرف كل من خبرها محدوديتها وانحباسها داخل سياج تواصل مبتور وشبه ميت ، كونه لا يستطيع إيصال فكرة بكامل أبعادها الحيوية ، فضلاً عن إعطائها حقها لتدافع عن نفسها في مناخ جدلي حي . ليتحول الأمر هنا من أعضاء مجلس مسؤولين ومسؤولات في موقع القرار ، إلى ذكور وإناث يحكمهم البعد الجندري المشوب بالريبة والتوجس،بدلاً من البعد الوطني الإنساني القائم على الشراكة في الهم العام ! والوزارة التي سوَّفت مشاركة المرأة طويلاً محتجة بعدم القدرة اللوجستية ، ومُنحت وقتاً طويلاً لتكوين رؤية متضحة المعالم ، جاءت مرتبكة خاوية الوفاض عندما دق جرس تفعيل القرار الرسمي !

الإشكالية أن قرار الوزارة يؤسس لنمط جبري إلزامي لمشاركة المرأة في المجالس البلدية لايراعي الاختلافات الثقافية بين مناطق المملكة ، والأهم والأخطر أنه يضرب في عمق حضور المرأة في محافل رسمية وفضاءات عامة أخرى كالشورى ومجالس الغرف ومؤسسات الطوافة والقطاع الطبي ، كونه يشكك ضمنياً في خضوعه للضوابط الشرعية مما يسبب كثيراً من الحرج والبلبلة نحن في غنى عنها !

*نقلاً عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.