الجليد قريبٌ والوحدة مرعبة!

حسن المصطفى
حسن المصطفى
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

ممتن أنا في العنوان أعلاه، للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه. وهو من الشخصيات التي أكن لها احتراما كبيرا، ليس بوصفه صاحب أفكار مهمة وطروحات غير تقليدية وحسب، بل لأنه على المستوى الشخصي، أثر فيَّ بشكل عميق، وجعلني أعيد النظر في العديد من الموضوعات الحياتية، وساهم في أن أُكون رؤية مختلفة للعالم، هي مزيج من القوة والازدراء، والسخط والعزلة والسمو والتواضع، والسؤال الدائم عن المعاني المختبئة خلف ستائر الأخلاق والقيم والمثاليات الحديدية!.

دائما ما يرافقني في سفري كتاب نيتشه "هذا هو الإنسان"، وهو بمثابة مذكرات دونها إبان فترة مرضه، ضمنها العديد من أفكاره وملاحظاته، وعرض بها رؤيته لأعماله المختلفة.

هي تأتي من بعد "هكذا تحدث زرادشت"، كعمل أساسي لفهم أفكار نيتشه، ونزقه، وعزلته، وبعده عن الحشود وجموع الناس، وذهابه وحيدا حد المرض الذي أثقل كاهل جسده وروحه، مفضلا هذه الحال، على أن يكون وسط "العالم الزائف".

نيتشه في كتاباته، بقدر ما يقدم أفكارا مكتوبة بلغة بسيطة، شاعرية، مباشرة أحيانا حد الصدمة والغضب، بقدر ما يصعب على كثيرين فهم كنه معانيها، والربط بين أفكارها المتنوعة، ضمن منهج واحد، أو خط معرفي متصل، كون فريدريك ذاته، يكتبها في حالات نفسية وذهنية مختلفة، ما يجعل القارئ العادي أمامها مشوشا. إلا أن المتتبع لكتاباته، يجد أنه يصارع "من أجل المحظور"، ويسعى بجهد متصل لتثبيت قيمة قوة الإنسان، مقابل زيف الأخلاق وكذب مدعي الفضيلة.

صاحب "العلم المرح" يقرر بنفسه من يستطيع فهم فلسفته، حيث يقول "إن الذين بإمكانهم استنشاق الهواء المنبعث من كتاباتي يعرفون جيدا أنه هواء الأعالي، وهو هواء شديد وقوي".

هذه الشدة والقوة في أفكار نيتشه، جعلت الآخرين ينظرون له باستغراب، معتقدين أنه مجرد "مهرج" أو شخص لا يملك إلا تحطيم الأفكار بمطرقة ساخطة!. والسبب في ذلك، أن نيتشه يعيد تشكيل أفكار السائد، دون الاكتراث لبنيانها، وبقدر ما يهدم على الآخرين أساطيرهم الواهمة، بذات المقدار يذهب هو في عزلته، بعيدا عن كل ضوضاء اندكاك الأحجار وغبارها المتناثر.

العزلة ليست بالخيار السهل، فهي "مرعبة". والإنسان الجالس قرب الجليد، عليه أن يتحمل قسوة برودته. إلا أنه مقابل ذلك، يقرر نيتشه أمرا ثمينا حصل عليه، ف"كم هو هادئ كل شيء في إشراقة الشمس.. كم يتنفس المرء بحرية. وكم يشعر بأن الأشياء تحته!".

عندما يشعر الواحد منا أن "الأشياء تحته"، فساعتها يكون بمقدوره أن يكون خارج "السيرك"، ألا يكون جزءا من المهرجان، لأنه بات ينظر إلى الحياة بشكل متجرد، ويطل عليها من شاهق، دون أن يتأثر سلباً بما يدور أسفل منه، من نزاعات واقتتال وصراخ وهرولة نحو الزبد والتفاهات.

إن ميزة فلسفة "القوة" أن تجعلك لا تكترث بما يعلو من ضجيج، حتى وإن بلغ مداه عنان السماء، لأنك بمحض إرادتك، وبدافع جوانيّ حاسم، قررت ألا تقف على خشبة المسرح، وألا ترتدي أنف المهرج الأحمر!.

"هنا في الأعالي يُزبد من أجلي نبع البهجة. وهنا حياة عند تلك المياه لا يشرب معي منها أحدٌ في الحشد!".

تلك هي أعالي نيتشه، حيث الأفكار والعقول أشد اتقادا، والأنفس الأكثر صفاء، ولا مكان فيها إلا للأنقياء.. "كالريح العاتية سوف نعيش فوقهم، جيرانا للنسور، جيرانا للثلوج، جيرانا للشمس"؛ حيث المعرفة ثمارٌ ناضجة، تقطفها الأيدي النظيفة والعقول الجريئة والأنفس الكاملة، وحسب!.

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.