سحل الأرواح

محمد اليامي
محمد اليامي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

لدى كثير من المراهقين إحساس بضياع المصير، وأن الأمور تنفلت بين أيديهم. وفي مجتمعنا يبدأ المراهق الذكر وهو على أعتاب الشباب تلقي ضغط نفسي حول الدراسة والعمل، وشقيقته الأنثى في العمر نفسه تبدأ تلقي إيماءات وإيحاءات تتحول إلى ضغوط حول الزواج، وما يتمحور حوله، والمفترض أن يتلقى كلاهما من دون تمييز توجيهات وإرشادات (وليس ضغوطاً) حول المسارين ليتساوى حق الجنسين في الدراسة والعمل، ويتساوى نصيبهما من التثقف عن العلاقة مع الجنس الآخر.

تبدو تهيئة الشاب للعمل، والفتاة للزواج، أو كلاهما لكلا الأمرين، في ظاهرهما مسألة عادية، ويفترض أن تكون كذلك، لكن طبيعة الأهل والمجتمع في التعاطي معهما تجعلانهما في ذهن الشباب من الجنسين وكأنهما طريق الخلاص، الخلاص الاجتماعي، والحصول على شهادة إثبات انتساب كلي أو كامل للمجموعة. ولعل الدليل أن العاطل من الرجال والمطلقة من النساء يعتبران منتسبين جزئياً على الطريقة الأكاديمية.

هذه في رأيي رعوية فكرية، تتحول إلى حال ذهنية، ولكنها رعوية يتبناها الراعي، ولا يتقبلها المرعي في البدء، ثم يبدأ قبولها إذا حقق المعادلة، ثم يبدأ يتشكل هو راعياً جديداً، مع أول مولود له، أو لها.

أربط هذه الأفكار الانطباعية، ولست متخصصاً تربوياً أو نفسياً، مع ما قاله عبدالله الغذامي في جامعة اليمامة قبل أيام من أن «مجتمعنا مجتمع رعوي يعتمد على الدولة في كل شيء، يطلب حقوقه وحريته وماله من الدولة، وهو لم يحرك ساكناً، الحرية رغيف الحياة، والرغيف له ثمن». وزاد في موضع آخر من محاضرته: «90 في المئة من الملاحدة، ليسوا ملحدين، لكنهم غاضبون، بسبب صديق انتحر أو زميل قتل، فكرة الإلحاد لديهم حال انتحار ثقافي ومعنوي، وليست إلحاداً كما نفهم».

الغذامي يقول إن الوعظ «ليس أن نعقد البسيط، بل إن نفرش البساط الأخضر، ولا نوقع في النار»، وهو إذا قصد الرعوية الاقتصادية في اعتماد الناس على الدولة، فيمكنني اعتبارها رعوية ثانية، أما الثالثة فأربطها بالوعظ، وهي هنا الرعوية الأخلاقية، والناس يستقونها، أو يستسلمون لها مكرهين من اثنين في واحد، هو في الغالب رجل الهيئة الذي يفترض أن يمثل الدولة من خلال جهاز الحسبة، ولكنه أيضاً يمثل نفسه من خلال مخالفته لأنظمة الحسبة، أي أنظمة الدولة.

سحلت فتاة سعودية، وألقيت أرضاً، وكشفت عورتها لماذا؟ ما هي الجريمة؟ أياً كانت فهي لا تبرر شيئاً مما حدث، ووضع شاب أخذته العزة والشيمة ليسترها (وهذه وظيفة المحتسب الحقيقي في الأساس) في موضع حرج وظيفياً واجتماعياً، كل هذا التحطيم المعنوي لشابين لأن الراعي يعتقد أنه «أحرص» منا على أنفسنا، الحرص الذي يكشف العورات، ويحدث شروخاً نفسية للكثيرين والكثيرات ويقودهم إلى خيارين، الاستسلام التام لكل الرعويات، أو التمرد التام عليها.

لم يسحل جسد الفتاة، ولم يسحل مستقبل منقذها، سحلت أرواح كثير من الشباب ممن رأوا وسمعوا، واحتاروا، ممن قد يتحولون على طريقة الغذامي إلى مشروع «انتحار ثقافي معنوي».

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.