.
.
.
.

مصالح المصالح المملكة فوق الجميع.. درسٌ للبنان وغيرها!

أحمد الجميعة

نشر في: آخر تحديث:

المعاملة بالمثل في العرف الدبلوماسي لا تتوقف على مطابقة الإجراءات، والمواقف، والسياسات بين بلد وآخر أثناء الاختلاف في وجهات النظر، أو نشوب الأزمات، أو تضخيم الحوادث من القضايا المثارة، ولكنها تتخذ أشكالاً من ردود الفعل السياسي والاقتصادي وربما العسكري الذي يعكس عمق الأزمة بين البلدين، وعدم الوصول إلى تسويات يمكن البناء عليها في استمرار العلاقة من عدمها، أو التوازن في المصالح المشتركة بما يعكس تاريخ هذه العلاقة، ومدى جدية أطرافها على تجاوز المشكلة، والخروج معاً من عنق تبعاتها على المنطقة، خاصة حين تكون الظروف المحيطة لا تحتمل أي تخاذل، أو تجاهل، أو اصطفاف مع الآخر المعادي على حساب الوقوف المشرّف مع الحق والعدالة بلا مزايدات رخيصة، أو إملاءات سياسية وأيدولوجية مثيرة ومستفزة.

المملكة ولبنان جمعتهما علاقة أخوية وتاريخية ولا تزال، بغض النظر عن تعددية المواقف، والأحداث، وتعاقب الأجيال، حيث لا يزال اللبنانيون الشرفاء يحفظون للمملكة دورها التاريخي في وقف نزيف الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد، وراح ضحيتها آلاف الأبرياء، وخرج الجميع منها موقعاً على اتفاق الطائف الشهير الذي حدّد ملامح الدولة، وتوجهاتها، وأيضاً علاقاتها، وساهمت المملكة في النهوض بلبنان إنساناً وأرضاً، موحداً ومستقلاً في قراره، بغض النظر عن تعدد طوائفه، وانتماءاته السياسية، حيث قدمت المليارات من الدولارات في مشروع لبنان الجديد، وبناء اقتصاده، وتعزيز أمنه واستقراره، ولم تتخل عنه في أسوأ الظروف، خاصة بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت العام 2006؛ نتيجة مغامرات غير محسوبة لما يسمى حزب الله.

اليوم لم تعد لبنان العربية في موقف رد الجميل، أو على الأقل التعبير عن المواقف السياسية المنحازة لقضايا الأمة في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به، حيث اختارت طريقاً لا يسلكه عربي في قلبه مثقال ذرة من حب أو خوف أو تقدير وهو يرى سفارة المملكة في طهران وقنصليتها في مشهد تحترقان، وينهب ما فيهما، ويُعتدى عليهما في فعل فاضح وغير أخلاقي، ويدان من العالم بمنظماته وهيئاته ودوله ودبلوماسييه وزعمائه، ويلتئم البيت العربي ومنظمة التعاون الإسلامي لإدانته، ومع ذلك تصمت لبنان، وتنحاز إلى الباطل، والمعتدي، وتخالف الأعراف الدولية، ومع كل ذلك تفتح إعلامها المسموم للنيل من المملكة في مواقف وتصريحات مناهضة، وعدائية، وطائفية مقيتة.

موقف المملكة أمس بوقف مشروع تسليح الجيش اللبناني مع الحكومة الفرنسية بقيمة ثلاثة مليارات دولار، وما تبقى من مساعدات لقوى الأمن الداخلي بمليار دولار؛ هو أقل ما يجب أن يكون كرد فعل على مواقف لبنان المتخاذلة، وإعلامها المسيس المأجور من حزب الله، فلا يمكن أن يكون صبر المملكة بلا حدود، وعلاقاتها ومصالحها مرتهنة لدولة يحكمها حزب موالٍ لإيران، رغم أن المملكة بذلت الكثير وتحملت ما في وسعها لدعم الشعب اللبناني، وأمنه واستقراره، ولكن لايزال القرار السياسي الذي عبّرت عنه لبنان في اجتماع الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي مخجلاً، وغير مبرر، ويخدم مصالح إيران في المنطقة، وهو ما لا يجب السكوت عنه، أو تمريره بلا موقف مماثل يعيد اللبنانيين أنفسهم للسؤال عن موقفهم؛ ليس من الاعتداء على السفارة والقنصلية السعودية فقط، وإنما مستقبل علاقاتهم مع المملكة، وأمتهم العربية التي تشهد أسوأ ظروف الحرب، والإرهاب، ومشروعات التقسيم، والهيمنة والنفوذ من جمهورية إيران الإرهابية، وقوى الغرب الداعم لتوجهاتها في إعادة حلم إمبراطورية فارس.

الموقف السعودي من لبنان هو رسالة لكل دولة عربية أو إسلامية بأن المرحلة تغيّرت، والدعم لن يكون إلاّ لمن يستحق أن يكون في مهمة الدفاع عن شرف الأمة من عبث إيران، ومخططات الغرب، وهي أيضاً رسالة بأن المملكة لن تتخلى عن واجبها في الدفاع عن قضايا العرب والمسلمين حتى وإن تخاذل البعض، ورضي أن يكون مع الخوالف.

* نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.