.
.
.
.

الحلّ في لبنان باستئصال «حزب الله»

نواف عبيد

نشر في: آخر تحديث:

لطالما كانت للمملكة العربية السعودية مواقف تاريخية جليلة تجاه دول عربية شقيقة عدة، على رأس تلك الدول لبنان؛ فانطلاقاً من عهد المؤسّس الراحل الملك عبدالعزيز - طيّب الله ثراه- إلى اليوم كانت وما زالت للبنان والشعب اللبناني علاقة مميّزة تربطهم بالسعودية، كما أن التاريخ يشهد بمواقف المملكة ومساندتها غير المشروطة لـ(الدولة اللبنانية)، وإمدادها بالدعم، سواء أكان مادياً أم سياسياً أم معنوياً أم إنسانياً. وتمثّل الدعم السعودي في مساعدات ومناقصات عسكرية وودائع فاقت قيمتها بلايين الدولارات، سعت المملكة جاهدةً إلى أن تصل بها إلى المؤسسات الشرعية في البلد، وليس غيرها؛ لتحقيق الأمن والأمان الداخلي في لبنان والمنطقة من دون التدخّل في شؤونه السيادية. وعلى خلاف مَن لا تُوصف تدخّلاته إلا بالسافرة، تقوم المملكة بدور الحاضنة والراعية لاستقرار لبنان، ولا غاية لها سوى ترسيخ ركائز تحمي حليفتها العربية (الدولة اللبنانية) بالسعي جاهدةً إلى إيصال المساعدات والدعم السعودي إلى مؤسسات الحكم اللبنانية، المتمثّلة في أطياف النسيج اللبناني الاجتماعي كافةً من دون تمييز؛ فالدعم السعودي الشرعي والعربي كان وما زال لـ(دولة لبنان)، ولم يكن موجّهاً إلى حزب معين أو طائفة دون الأخرى، على خلاف الدعم الإيراني المتمثّل في تمويل ميليشيات وأفراد يريدون اختطاف مسيرة التمنية بدوافع طائفية، وأجندات توسّعية، هي المسؤول الأول عما آلت إليه الأمور من وضع مُضحك مُبكٍ في الساحة السياسية اللبنانية، وشبه ضياع الدولة وانهيارها.

فما ملامح هذا الفشل في السياسة المتبعة سابقاً؟ وما أسباب عجزها عن تحقيق أهدافها وإعادة لبنان إلى برّ الأمان؟ وكيف للسعودية، التي ما زالت متمسكةً بلبنان بحكم الصداقة التاريخية بين البلدين، أن تعيد الموضوعية إلى العلاقة السعودية - اللبنانية؛ لحفظ المصالح المشتركة للبلدين والشعب اللبناني الذي هو ضحية الموقف بلا شك؟

علينا أولاً أن نعترف بعدم نجاح هذا المشروع السعودي - اللبناني بمراحله المختلفة، ومبادراته المتعددة، في تحقيق أبسط الأهداف التي شُرع من أجلها؛ فاتفاق الطائف عام ١٩٨٩؛ تلك المبادرة السعودية الذهبية التي جاءت داعيةً إلى لبنان واحد يضم الجميع، وأتت لحقن دماء لبنانية أُريقت على مرّ 15عاماً في أكثر الحروب الأهلية الدامية التي شهدتها المنطقة حينذاك، عجز مع مرور السنوات عن أن يواكب المعضلات الداخلية؛ فلم يحقّق أولوياته قطّ، بل تفاقم الوضع: أولاً بإجماع اللبنانيين على تأسيس نظام يؤجّج الطائفية، يتمثّل في المحاصصة المذهبية والدينية، وثانياً بعدم قدرة الحكومة اللبنانية على «حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وتعزيز قوى الأمن الداخلي والقوات المسلحة الوطنية» كما نصّ البند الخاصّ بذلك في الاتفاق. وجاء هذا الإخفاق نتيجة عدم تحقيق بند آخر من الاتفاق، وهو الانسحاب غير المشروط للنظام السوري من الأراضي اللبنانية في مدة زمنية لا تتعدى سنتين من أجل قطع الطريق على أيّ تدخّلات خارجية في شؤون لبنان الداخلية، خصوصاً تلك التي تمسّ سيادته وعروبته. وما عواقب السياسة السعودية المتّبعة في لبنان في العقود الأخيرة عامةً، والأعوام القليلة الماضية خاصةً، إلا صداقة قديمة تطلب الغوث، وهي اليوم على وشك الاحتضار إن لم تُسعف حالاً. لم يُجدِ النموذج المتّبع نفعاً، ليس من ناحية دوافعه التي كانت وستبقى نبيلةً؛ إذ شرعت واقعاً للتوصّل إلى حلول تصون وحدة لبنان وسيادته، وتحمي شعبه، وإنما من ناحية تحقيق أهدافه الاستراتيجية، وعلى رأسها إعادة مفهوم الدولة إلى لبنان بعدم قدرته على دحض التدخلات الأجنبية في سياسة بيروت المحلية: إيرانية كانت أم سورية بالوكالة. وكذلك من أسباب الفشل الجوهرية فقدان الدولة اللبنانية مقوّماتها الشرعية، التي باتت هشّةً وعقيمةً بفقدانها الثوابت الأساسية للاستقرار، الناتجة من عجز القوى السياسية وزعماء الأحزاب الوطنية عن منع توسّع نفوذ «حزب الله» في العملية السياسية اللبنانية، على رغم كونه منظمة إرهابية استمدت شرعيتها بحُجّتها الزائفة من أنها أولاً تمثّل المقاومة ضد العدو الإسرائيلي، وثانياً، وهو الأعظم، أنها تدّعي زيفاً أنها تمثّل الشعب اللبناني، وهي لا تمثّل حتى طائفةً منه. وختامها، الذي كان نتناً، هو إصرار لبنان أخيراً جهرةً وأمام الملأ على أن يبقى خارج الإجماع العربي، عندما تخلّف عن الوقوف مع السعودية في اجتماع الجامعة العربية ضد العدوان الإيراني الغاشم تجاه المملكة ومصالحها في العالم العربي، وذلك على لسان وزير خارجيته جبران باسيل، الذي بات كممثّل لدولته وصمة عار لكل مواطن عربي شريف.

من الواضح أن المملكة العربية السعودية اليوم في طور إعادة تقويم برامج الدعم المقدمة إلى لبنان، وقطع الطريق على المستفيدين منها بشكل مباشر من (أصحابنا) أصحاب المصالح الشخصية، وبشكل غير مباشر من منفّذي أوامر طهران ومثيري الفوضى في العالم العربي. إن الإعلان عن وقف الدعم الذي يفوق أربعة بلايين دولار، الذي كان مخصّصاً للمؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية اللبنانية، ما هو إلا خطوة أولى -في رأيي- من الخطوات التي باتت ضروريةً لتتمكّن السعودية من قطع دابر المشروع الفارسي في لبنان والشرق الأوسط.

وأرى أن على المملكة أن تواصل مثل هذه الضغوط على القوى السياسية اللبنانية الشرعية منها وغير الشرعية. الحلّ في لبنان عصيب، لكنه لن يأتي إلا بوقف مشروع إيران عبر جناحه العسكري في العالم العربي «حزب الله». والحلّ لا يكمن في تدخّل عسكري، وإن كانت السعودية قادرةً على مواجهة أعدائها أينما كانوا ومستعدةً لذلك، وإنما الحلّ هنا في خطة عمل سياسية توظّف مجموعةً من الوسائل الاقتصادية والديبلوماسية والأمنية، منها سحب الودائع السعودية التي تصل إلى بلايين الدولارات من خزائن البنك اللبناني المركزي، الذي سيولّد بدوره تضامناً خليجياً يتمثّل في سحب كلّ من الإمارات والكويت ودائعهما، وللقارئ أن يتصوّر ما سيعنيه ذلك لليرة اللبنانية والنظام المالي من انهيار، وإن كان آجلاً غير عاجل.

هذه التغييرات الجذرية تقودها السعودية اليوم من واقع أنها الأجدر بقيادة العالمين العربي والإسلامي وسط حروب سنشهدها بلا شكّ في المستقبل المنظور؛ لذلك يجب ألا تُفهم السياسات الجديدة هذه، وما يتبعها من إجراءات أو تغيير في معادلات الشراكة مع بعض الدول العربية، التي لم تفهم إلى الآن أن المملكة لا تستسيغ أبداً مبدأ أنه من المقبول الشروع في تعاون -أياً كان شكله- مع من يهدّد العروبة والإسلام في آنٍ واحد، وإنما الخيار الحتمي ليخرج لبنان من فوهة أزمته المزمنة يكمن في سياسية سعودية أكثر حزماً على المديين المتوسط والبعيد في لبنان، وتأكيد الحاجة الملحة إلى استئصال الآفة المتمثّلة في «حزب الله» من عقر داره في جنوب لبنان.

نقلاً عن الحياة


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.