.
.
.
.

الكلفة الصحية والاقتصادية للممارسات الغذائية السلبية

سعود بن عبدالعزيز المريشد

نشر في: آخر تحديث:

لا جدال في أن وعي المجتمع في سلوكه وعاداته الغذائية هو خط الدفاع الأول لتجنب كثير من المخاطر الصحية والأمراض المزمنة ومضاعفاتهما؛ لكن ما زالت خدمات وبرامج التوعية أو الوقاية الصحية كأحد أهم مراحل الرعاية الصحية تؤدى على استحياء ويتحدد سقفها بحسب وجود وانتشار الأوبئة والأمراض، مع أنه لا يخفى على القائمين بهذه الرعاية أن الانتظام في أدائها بصورة مستمرة ومنظمة كفيل على المدى البعيد بالمساهمة في الارتقاء بمستوى وعي الأفراد بمخاطر انعكاسات العادات الغذائية السلبية على صحتهم.

في السنوات الأخيرة استشرى في مجتمعنا عدد من الأمراض المستحدثة بصورة فاقت توقعات وتقديرات المعنيين بالشأن الصحي نتيجة ما صاحب أنماط حياتنا من خمول وسلوكيات غذائية دخيلة؛ من تلك الأمراض زيادة الوزن والسمنة المنتشرة في مجتمعنا بشكل مخيف وتضع المملكة في المركز الخامس عالميا، وتشير الاحصاءات الى أن عدد المواطنين المصابين بالسمنة وصل لنسبة (36%)، وهو ما يتسبب في وفاة ما يقارب عشرين ألف حالة سنويا، باعتبار أن السمنة وزيادة الوزن سبب رئيس لكثير من الأمراض الصامته؛ ونستشهد هنا بأحد أسبابها المتمثل في الاستهلاك المحموم للأغذية المحتوية على نسبة عالية من الدهون كاللحوم الحمراء والوجبات السريعة؛ حيث يؤكد خبراء منظمة الصحة العالمية أن تناول اللحوم الحمراء سبب مرجح للإصابة بمرض السرطان، وترتفع نسبة هذا الخطر عند تناول اللحوم المعالجة.

أيضا تؤكد المؤشرات تزايد انتشار داء السكري بصورة وبائية ووصوله لمرحلة صحية خطيرة في المجتمع، حيث تشير التقديرات المحلية المتدوالة إلى انتشار مرض السكري بنسبة تصل إلى (28%) في الفئات العمرية فوق (30) سنة، وفي باقي الفئات العمرية الأخرى بنسبة (14%)؛ بل إن المملكة أضحت تصنف من أوائل الدول عالمياً من حيث سرعة انتشار مرض السكر وبمحصلة تقارب (5) ملايين مصاب، وبزيادة سنوية متوقعة تصل لنحو (150) ألف حالة مرضية؛ ويكفي أن نستشهد هنا بمثال واحد على ما تلعبه السلوكيات الاستهلاكية السلبية من دور في زيادة فرص الإصابة بمرض السكري، حيث خلصت دراسة علمية وردت في مجلة (Diabetologia) إلى أن شرب عبوة واحدة يومياً من المشروبات الغازية المحلاة بالسكر بحجم (340) مليلتراً، يزيد من احتمالات خطر الإصابة بمرض السكر من النوع الثاني بنسبة (22%).

ولهذا نقول نحن بحاجة لعمل استراتيجي أو تنموي يعزز من الممارسات الغذائية الصحية للمحافظة على مقومات الصحة العامة في المجتمع، ما بالتالي سيجنب الدولة كذلك الكلفة الاقتصادية بالصرف على التبعات الصحية لهذه الأمراض وتفاديها برفع سقف التوعية والوقاية؛ حيث تشير التقديرات المتداولة إلى ان علاج السكري ومضاعفاته يكلف الدولة سنويا أكثر من (40) مليار ريال، وكذلك يكلف علاج السمنة حوالي نصف مليار ريال سنويا.

لكننا حقيقة أحوج الى جهود حقيقية في مراقبة جودة الأغذية الصحية الاستهلاكية، وتعزيز إجراءات الرقابة الشاملة على نوعيتها ومأمونيتها وسلامتها صحيا في الأسواق؛ وإلى الضبط بحزم لما يجري في المطاعم الشعبية والتقليدية أو الوجبات السريعة من تجاوزات ومخالفات بعيدة كل البعد عن مقومات واشتراطات الصحة العامة.

إن العادات الغذائية السليمة، والنشاط البدني لهما دور أساسي في وجود مجتمع صحي وبالتالي خال من الأمراض، وذلك يحتاج إلى ثقافة لتثبيت العادات الصحية السليمة في نفوس النشء قبل الكبار، لكن بنظرة

فاحصه لما يباع في المقاصف المدرسية من وجبات محفوظة وسريعة، كفيل بالإجابة عن كثير من أسئلة الأمنيات بمجتمع صحي وخال من الأمراض.

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.