.
.
.
.

حصار حزب الله.. وعملائه!

أحمد الجميعة

نشر في: آخر تحديث:

حتماً أن ما يهدد لبنان في أمنه واستقراره ليس توقف الهبة السعودية لتسليح الجيش اللبناني وتطوير قدرات قوى الأمن الداخلي بقيمة أربعة مليارات دولار، ولكن ما يهدده حقاً هو سلب قراره واستقلاله وسيادته من حزب الله الإرهابي، وتنفيذ أجندة إيران بالانقلاب على اتفاق الطائف بعد ربع قرن من توقيعه، والتخلي عن مشروع (المناصفة) بين المسلمين والمسيحيين في التمثيل البرلماني إلى طرح فكرة (المثالثة) بين السنة والشيعة والمسيحيين، بما يكرّس السلوك الطائفي، وهو ما ترك الفراغ الرئاسي مشروعاً لحزب الله لفرض إرادته وهيمنته على جميع اللبنانيين، رغم منح سمير جعجع أصواته الثمانية لمرشح الحزب للرئاسة ميشال عون أمام سليمان فرنجية، ومع ذلك أصرّ الحزب على الفراغ؛ لأن ما هو مطلوب منه ليس له علاقة بالداخل اللبناني، ومصيره، ووحدة شعبه، ومستقبل رئاسته، ولكن الأهم هو الذهاب إلى القتال جنباً إلى جنب مع الرئيس السوري الذي اختارت إيران أن يبقى، وليس التصويت على رئيس لبناني منتخب لا يخدم مصالح إيران في هذه المرحلة.

نعم تجاوز حزب الله حدوده الجغرافية، وذهب مع أتباعه إلى معركة استنزاف طويلة في سورية، والعراق، واليمن -كما أعلنت الحكومة الشرعية اليمنية-، ونشر عملائه في الخليج لتهديد أمنها واستقرارها، خاصة المملكة والبحرين، حيث بات واضحاً أن هناك مشروعا إرهابيا يقوده حزب الله لإثارة الفتنة الطائفية، وضرب المصالح الحيوية، وهو ما كشفته تسجيلات صوتية لقيادات من الحزب تنوي القيام بأعمال تخريبية في المملكة، وقبل ذلك إيقاف «خلية التجسس» المكونة من (30) سعودياً متهماً، وإيراني وأفغاني، حيث أظهرت الاعترافات الأولية لهذه الخلية عن جمع معلومات لمواقع حساسة في المملكة بدعم من حزب الله وإيران، تمهيداً لتنفيذ مخطط إجرامي، ولكن يقظة رجال الأمن كانت بالمرصاد.

إذاً، الموقف السعودي من لبنان ليس له علاقة بالشعب اللبناني الشقيق، رغم محاولات رموزه وأحزابه وحتى حكومته لترقيع الموقف المتخاذل من حرق السفارة السعودية في طهران، وقنصليتها في مشهد، ولكن الموقف هو نابع من التصدي لتجاوزات حزب الله ونفوذه في القرار اللبناني، وكفّ يد إيران التي تضرب بها بواسطة حزب الله في المنطقة، على أساس تكوينه الحزبي وليس حضوره كدولة في مواجهة دول الخليج.

الموقف السعودي يوم أمس بإعلان قائمة من ثلاث شخصيات وأربع شركات تابعة لحزب الله، والتحذير من التعامل معهم، ومعاقبة كل من يثبت تورطه بما نصت عليه الأنظمة والتعليمات ذات الصلة بمكافحة الإرهاب وتمويله؛ هو امتداد لسلسلة إجراءات أُتخذت في السابق، ولا يزال التحديث مستمراً لكشف بقية العملاء، حيث بات واضحاً أن الموقف السعودي في لبنان موجه إلى حزب الله وليس سواه أحد، ولن تنظر إلى مواقف شعبية، أو حكومية، سواءً وقعت على عريضة تأييد مليونية للمملكة، أو بعثت وفداً رفيع المستوى للاعتذار المتأخر كثيراً؛ لأن المواجهة أصبحت مفصلية، ولكن تدار بطريقة الحرب الباردة، وأهمها نقل المواجهة بين الداخل اللبناني لمحاصرة الحزب الذي فقد كثيراً من شعبيته، وتجفيف الإعانات والمساعدات السعودية التي لم تحلم لبنان بمثلها لا من قريب أو بعيد، إلى جانب الطلب من الرعايا السعوديين هناك للمغادرة فوراً، وتحجيم أو إيقاف الاستثمارات السعودية، وسوف تستمر إجراءات المحاصرة للحزب، من خلال إيقاف الرحلات السعودية إلى بيروت -كما هو متوقع-، مع إمكانية فرز الأسماء والشركات اللبنانية التي تعمل في المملكة، وتحظى بامتيازات الاستثمار الأجنبي، حيث من المحتمل أن يكون لها نصيب في المواجهة، خاصة تلك التي بلغت تحويلاتها المالية مئات الملايين من الدولارات، وحتماً أن لحزب الله نصيب منها، مثل ما هو بالضبط مافيا المخدرات التي تحاول ولا تزال أن تغرق الوطن بعمليات التهريب التي وصلت خلال الأربعة أشهر الماضية من الحبوب المخدرة ما يفوق كمية الضبط خلال العام الماضي.

المواجهة مع حزب الله أصبحت ضرورة لكف يد إيران العبثية والإرهابية في المنطقة، ولكنها تتطلب مع جهد الدولة وعياً مجتمعياً للنهوض بمسؤوليات المشاركة، والتبليغ، والتصدي للشائعات، والمخدرات، وعدم الانسياق خلف فتنة التصنيف والطائفية.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.