.
.
.
.

كيف نحمي التراث من صانع الحضارة؟

أيمن الحماد

نشر في: آخر تحديث:

للتراث قيمة وجدانية كبيرة لدى كل الشعوب، فهو يحمل رمزية ودلالة لعمق التاريخ، وامتداد الحضارة، ومقدار التحضر الذي عاشته أقوام في أزمنة غابرة، وباعث على فخر تلك الأمة واعتدادها بنفسها، لذا كان التراث دوماً لا يقدر بثمن.

في المتاحف نجد الاحتفاء دوماً بالقطع الفنية أو الآثار، حتى أنه يمنع لمسها، بل إن بعضها حيل بينه وبين مشاهديه بوضع حواجز فصل في مشهد مثير ومحفز للتساؤل، إذ كيف نفصل بين الإنسان الذي يُفترض به أن يكون صانعاً للحضارة وبين الآثار التي يُفترض بها أن تكون منتجاً لتلك الحضارة؟

في الأزمنة السحيقة كان هاجس العبث بالتاريخ والحضارة موجوداً في ذهنية الإنسان القديم، لذا وجد المكتشفون للآثار تعاويذ مكتوبة على الجدران المحيطة بذلك الأثر، اعتقد ذلك الإنسان أن هذه التعاويذ قادرة على حماية تاريخه، وكفّ أيدي العابثين عنه.

وفي عصرنا الحاضر ظهرت إلى العلن مؤسسات تُعنى بالحفاظ على هذه القيمة التاريخية وتصونها ضد العابثين، أو غير المدركين لقيمتها، فسُنّت القوانين والأنظمة والتشريعات التي أخذت لاحقاً بُعداً دولياً عاماً، الهدف منها منع ما يمكن أن يجنيه إنسان اليوم بما أنتجه إنسان الماضي.

إن أهمية التراث اليوم تعدت من كونها آثاراً تخبرنا عن التاريخ، فقد تحوّلت إلى صناعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فأصبحت جزءاً مهماً من قوة الدول الناعمة، ومورداً اقتصادياً مربحاً، فمن خلالها يزور السياح تلك الأماكن، وهذا بدوره يؤدي إلى تنشيط حركة الاقتصاد في البلاد، ويساهم في القضاء على البطالة.. ويضيق المقال بالحديث عن اقتصاديات السياحة وتأثيراتها في الناتج القومي أو الوطني للدول التي فطنت منذ وقت طويل لمأسسة السياحة والتراث كقطاعات حيوية ورئيسية في جسم أي اقتصاد لأي دولة.

من هذا المنطلق نرى أنفسنا معنيين بالحفاظ على التراث، وفي المملكة يُعد الحفاظ على الآثار؛ سواء كانت مواقع كالمباني التي يعود تشييدها إلى بدايات توحيد المملكة، أو تلك التي تخبرنا عن انطلاقة تشييد البناء "المسلح" أو المواقع الطينية، أو تلك الآثار التي تخبرنا أن حضارة مرّت من هنا، كل ذلك يعد أمراً وطنياً لا يمكن التعرض له بحجة بناء مرفق مهما كانت أهميته، أو شق طريق مهما بلغت حيويته، إذ إننا ملزمون بترك التراث ينمو، والقاعدة تقول كلما قدم المبنى ازدادت قيمته، كما يجب ألا نسوغ للمساس بأي أثر أو تراث أو التعدي عليه تحت أي حجة.

إننا عندما نرى حجم الاحتفاء بتاريخ الجزيرة العربية وآثارها في المعارض الدولية، وحينما نحتفل بتسجيل موقع سعودي في قائمة التراث العالمي، نجد أنفسنا ملزمين بتوسيع قائمة التراث المحلية وتحديثها من خلال مسح كامل للمدن والقرى في المملكة، والحفاظ على هذه الآثار من خلال سن قوانين وتشريعات صارمة، لأن الدول التي لا تحافظ على تراثها تجهل قيمة تاريخها.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.