شركات التأمين .. وإنقاذ حياة آلاف المواطنين

نبيل عثمان الخويطر

نشر في: آخر تحديث:

عندما تسأل أي طبيب عالج مصابين أو موتى في حوادث مرورية فإنه غالباً ما يخبرك بأنه يعرف بمجرد فحص المصاب ما إذا كان المصاب ربط حزام الأمان أثناء الحادثة أم لا، والسبب في ذلك أن الإصابات في الركاب الذين يستخدمون حزام الأمان نادراً ما تكون خطرة أو حتى مميتة.

ومن هذه المعلومة البدهية، نستنتج أن أسرع وأسهل طريقة لتقليل الوفيات والإعاقات الناتجة من الإصابات في الحوادث المرورية هي إقناع أكبر عدد ممكن من المواطنين والمقيمين باستخدام أحزمة الأمان في كل رحلة خارج البيت، طالت أم قصرت، إذ إن تقليل عدد الحوادث المرورية في المملكة هدف ذو أبعاد قانونية وهندسية وإدارية يصعب تنفيذه على المدى القريب، لذا فالتركيز الإعلامي على استخدام حزام الأمان لا يؤدي إلى تقليل عدد الحوادث، ولكنه سيؤدي إلى خفض كبير في عدد الوفيات والإعاقات الناتجة من تلك الحوادث. وكما قال وزير المواصلات الأميركي السابق رودني سليتر: «إن العمل الوحيد الأكثر فعالية، الذي يمكننا اتخاذه لإنقاذ الأرواح على طرق أميركا، هو زيادة استخدام أحزمة الأمان، واستخدام مقاعد سلامة الأطفال».

وبما أن المستفيد الأول مالياً في المملكة من هبوط عدد الوفيات التي بلغت نحو ثمانية آلاف حالة، والإصابات التي تعدت 40 ألف حالة في الحوادث المرورية عام 2014 هي شركات التأمين، فإنه يجدر بها أن تكون الممول الرئيس - كما هي الحال في جميع الدول المتقدمة - لبرامج إعلامية تثقيفية طويلة الأمد، تشمل جميع أنحاء المملكة، بهدف إقناع المواطن والمقيم بربط حزام الأمان كلما ركب السيارة. وهذا بالطبع لن يكون صعباً ما دام هناك استعداد لتمويل دعايات عالية الجودة والتصميم في التلفزيون والإذاعة ووسائل التواصل الاجتماعي بصورة منتظمة طوال السنة. كذلك، ستتطلب هذه الحملة الدعائية أيضاً مشاركة فعالة من رموز المجتمع المدني، مثل الرياضيين والكتاب وعلماء الدين؛ لكي يكون لها وقع مؤثر في الشباب خاصة، وهم شريحة المجتمع الأكثر تعرضاً من غيرهم للحوادث المرورية.

وبما أن تكاليف الحوادث المرورية على اقتصاد المملكة تقدر بنحو 20 بليون ريال سنوياً، إلى جانب إشغال ما يقرب من 30 في المئة من سرر المستشفيات، فمن البدهي أيضاً أن يكون هناك دور قيادي لوزارتي التجارة والصحة، للعمل على إنشاء مجلس إدارة وطني للسلامة المرورية يتكون أعضاؤه من رؤساء شركات التأمين في المملكة، ويمول ذاتياً بإضافة اشتراك سنوي بقيمة ريالين فقط لكل بوليصة تأمين تصدرها هذه الشركات، وذلك بحسب عدد البوليصات التي تصدرها كل شركة تأمين. و بما أن عدد المركبات، بمختلف أنواعها في المملكة، يفوق 20 مليون مركبة فإن المبلغ الممكن توفيره لتنفيذ هذا البرنامج الإعلامي التثقيفي سيفوق 40 مليون ريال سنوياً، وإذا قسم هذا المبلغ على عدد سكان المملكة فسنجد أنه أقل قليلاً مما تصرفه سنوياً شركات التأمين والجهات الحكومية في أميركا وبريطانيا على التثقيف الإعلامي بالسلامة المرورية لكل مواطن في هذه البلدان.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن دراسات ميدانية عدة أجريت في أستراليا وبريطانيا، رجحت التركيز بالدرجة الأولى على إقناع المجتمع بضرورة ربط أحزمة الأمان قبل تقليل السرعة، أو حتى الانشغال بأجهزة الهاتف عند قيادة السيارة؛ لأن ربط حزام الأمان لا يكلف السائق أو الراكب تأخيراً في سفره مثل تخفيف السرعة، ولا يفقده مكالمة هاتفية إذا امتنع عن استعمال الهاتف خلال قيادته السيارة، لذلك حتى في غياب قوانين صارمة فإنه بإمكان أية جهة ممولة للدعاية والإعلان إقناع نسبة كبيرة من المجتمع باستخدام أحزمة الأمان عند ركوب السيارة. أما اتباع قوانين السرعة وغيرها من عادات السلامة المرورية فقليلاً ما تتأثر بالإعلانات والدعايات التثقيفية، في ظل غياب القوانين والعقوبات الصارمة.

وبما أن نسبة استخدام أحزمة الأمان في المملكة تقدر حالياً بأقل من خمسة في المئة فإن حملة إعلامية تثقيفية في المملكة، مشابهة للحملات التي نجحت في أميركا وبريطانيا وغيرها، سيكون لها - هنا في المملكة - الأثر الأكبر حتى من الحملات الإعلامية في هذه الدول، لأن رفع نسبة استخدام أحزمة الأمان من 5 في المئة إلى 50 في المئة أو أكثر سيقلل الوفيات لدينا في المملكة بنسبة لا تقل عن 50 في المئة خلال أقل من سنة.

لذلك فكل يوم يمضي من دون ما تقوم شركات التأمين السعودية بواجبها الوطني، تجاه المجتمع والمالي تجاه ملاكها، بتثقيف المجتمع السعودي بالإعلانات التي تحث أفراده على استخدام أحزمة الأمان في جميع الأوقات هو يوم يموت فيه أطفال ونساء ورجال أبرياء، كان بإمكاننا إنقاذهم لو أننا ثقفناهم بأهمية استعمال أحزمة الأمان.

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.