مؤسسات المجتمع المدني المشروع الواعد

لا ينشر مكرر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

تمتاز المجتمعات المتطورة عما سواها بكثير من الخصائص التي يأتي في مقدمتها وجود مؤسسات للمجتمع المدني، تعمل على رفد الدور الحكومي، ودعم المجتمعات لتحقيق كثير من الأهداف، وإنجاز كثير من الأدوار التي ربما يصعب على الحكومات القيام بها، نسبة لما تعانيه من بيروقراطية وروتين ومتطلبات إدارية، وكذلك الإسهام في تشكيل الوعي الفردي والمجتمعي، بما يخدم مقاصد التنمية والتطور والإصلاح، لذلك ظهرت مفاهيم مؤسسات المجتمع المدني، والتي تغطي الفجوة الموجودة في المجتمعات بين الاحتياجات الحقيقية وبطء المؤسسات الرسمية في تلبيتها.
المتابع لواقع المجتمع المدني في المملكة، يجد أن هناك حاجة ملحة لتفعيل دور هذا القطاع الحيوي، فرغم توافر كل الظروف والمتطلبات التي يمكنها أن تدعمه وتعمل على تفعيل الدور المطلوب منه، فالدولة لم تألُ جهدا في القيام بكل ما يؤدي إلى تعزيز المجتمع، وإشباع احتياجاته، كما أن السعودية عامرة –ولله الحمد– بكثير من الخيرين الذين يمكن أن يقدموا الدعم والعون لتلك المؤسسات، إضافة إلى وجود الشباب الراغب في خدمة مجتمعه ومساعدة حكومته، ورد الدين لهذا الوطن الذي ما بخل يوما على أبنائه.
أثبتت إحصاءات التعداد السكاني الذي أجري أخيرا أن الغالبية العظمى من سكان المملكة هم من فئة الشباب، وأن حوالى 70 % منهم بين الفئة العمرية 20 – 30 عاما، وهذا يعني أن المملكة تمتاز بثروة شبابية ربما تفوق في قيمتها الحقيقية نعمة النفط التي أنعم الله بها على هذه البلاد، وأنه إذا ما تم استغلال هذه القدرات بالشكل المطلوب، وتم توظيفها بصورة فضلى، فإن ذلك سيؤدي إلى تحقيق أهداف كبيرة ومنافع بالجملة.
خلال بعض الأزمات التي شهدتها بلادنا، مثل كارثة سيول وأمطار جدة عامي 2009 و2011، تسارع شباب في عمر الزهور، إلى مد يد العون للمتضررين، وبادروا من تلقاء أنفسهم بتوفير المواد الغذائية والطبية، وغامروا بحياتهم، ودخلوا تلك الأحياء المتضررة، ووقفوا إلى جانب سكانها، وضمدوا جراحهم، ومسحوا دموعهم.
لم يكتفوا بالكلمات الطيبة، بل شمروا عن سواعد الجد، وساعدوا الأهالي على شفط المياه من داخل منازلهم، وإعادة ترتيبها، وشملت جهودهم الطيبة تنظيف الشوارع وإزالة الأنقاض وغيرها.
وهؤلاء لم يدعهم أحد إلى القيام بذلك، ولم تقف وراءهم جهة تنظيمية، بل هبوا من تلقاء أنفسهم، فقدموا نماذج مضيئة خففت لوعة المحرومين، ورسمت البسمة على شفاه المحتاجين.
ولا تقتصر مجالات عمل منظمات المجتمع المدني على أوقات الشدة والكوارث، بل تتواصل في الأوقات العادية، لتشمل حشد الطاقات لمحاربة الجهل والفقر والمرض والتطرف، وتشجيع العمل التطوعي بين فئات المجتمع المختلفة وحشد الطاقات، والمحافظة على البيئة وحماية الموارد واستخداماتها، والاهتمام بالقطاعات الضعيفة في المجتمع، مثل العجزة، والمعوقين. حتى في مجالات نشر الثقافة الإسلامية الصحيحة والتصدي للمتشددين والمتطرفين.
ولا يخفى على أحد طبيعة مجتمعنا السعودي وخصوصيته، للدرجة التي يمكن فيها وصفه بالمجتمع العائلي الذي ربما لا يجد فيه الشباب متنفسا لطاقاتهم إلا في محاضن محدودة جدا، بل إن بعض أعداء بلادنا وجدوها فرصة سانحة لاختطاف بعض الفتية فكريا والتغرير بهم، وجرهم إلى بؤر الإرهاب والتطرف، بل ومحاربة أقاربهم وبلادهم أيضا.
وللدلالة على رغبة شبابنا في المشاركة بالفعاليات التي يمكن أن ينفس الشاب فيها عن طاقاته الحبيسة، فإن نظرة سريعة على إحصاءات الزوار لبعض الفعاليات الثقافية أو التراثية، مثل معرضي جدة والرياض للكتاب، أو مهرجان الجنادرية للتراث، توضح أن غالبية الزوار هم من الشباب الذين استمتعوا بتلك الفعاليات، وشاركوا فيها، وأثروا لياليها، دون أن يتركوا خلفهم أي أثر سالب، فلماذا لا نوسع أمامهم أوعية العمل والمشاركة والتطوع، وأوعية الثقافة والعلم النافع؟
شبابنا نعمة في أيدينا، علينا أن نحصنها ونحميها، وأن نسعى في الوقت ذاته للاستفادة منها بما يعود على بلادنا بالخير، ويؤدي إلى إكسابهم تجارب ثرة، تغني دواخلهم، وتنمي قيمة العمل فيهم، وتدفعهم إلى ترجمة حب الوطن فيهم من مجرد مشاعر وشعارات إلى أعمال واقعية وفعل ملموس. وإن كان بعض الواهمين يرون أن فتح هذا الباب في بلادنا ربما يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، إلا أننا لا ينبغي أن نعيش على مخاوف تعشش في الأذهان، وسوء ظنون وهواجس تسيطر على دعاة الجمود والانكفاء والموتورين.
فبلادنا، والحمد لله، تحكمها مجموعة متكاملة من القوانين والنظم المرعية، ويمكننا بقليل من الجهد أن نوجد مزيدا من تلك القوانين التي تؤدي إلى ترشيد العمل المدني، وتوجهه إلى مسار محدد، لا مجال فيه للسماح بأي انحرافات أو تجاوزات.
بقي القول إننا جزء من عالم كبير نعيش فيه ونشاركه، نتأثر به ونؤثر فيه، سلبا وإيجابا، وليس عيبا أن نأخذ من تجاربه، ونستفيد من إنجازاته، فكما نتلقى من الآخرين نقدم لهم، وثقافة مؤسسات المجتمع المدني باتت ركنا أساسيا في الحياة المعاصرة والعالم الجديد، إما أن نأخذ بها أو نرضى بالعيش في عوالم الانطواء والانغلاق.

*نقلاً عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.