.
.
.
.

تدمير الأمن العربي بأيدٍ عربية

جاسر الجاسر

نشر في: آخر تحديث:

في الدول الغربية تقوم أجهزة المخابرات وجمع المعلومات بتحصين أمنها القومي، وتعمل مع الدول التي تنتهج نهجها السياسي ضمن منظومة واحدة. ويحدث احتجاج كبير وصدمة قوية عندما يُكتشف أن إحدى الدول في المنظومة نفسها تتجسس على دولة أخرى؛ فيحصل اشمئزاز، يصل إلى حد التهديد بانفراط التحالف ما لم تبادر الدولة التي أقدمت على التجسس بالاعتذار والتوقف عنه. هذا ما حصل عندما اكتُشف قيام الولايات المتحدة الأمريكية بالتنصت على هواتف قادة الدول الغربية. عندها انقلبت أوروبا جميعها ضد أمريكا، وظهرت العديد من علامات الاستياء في ألمانيا وفرنسا.

التنصت على هواتف الرؤساء في الدول النامية، ومنها الدول العربية، يُعَدُّ نوعاً من (الطبطبة)؛ فأجهزة المخابرات في هذه الدول تُعِدُّ التنصت من صميم عملها، ويستوي في ذلك عندها رئيس الدولة أو المواطن العادي؛ إذ يجب أن تعرف بماذا يتكلم الناس لتأمين أمن الوطن.. هكذا يستحلون خصوصية البشر. أما عملهم الأساسي - كما أظهرت أحداث القرن الماضي والعقدين من القرن الحالي - فهو ترتيب المؤامرات والاغتيالات، وتغيير الأنظمة عبر الانقلابات العسكرية، أو عبر المليشيات الحزبية التي حلت محل موضة الانقلابات التي كانت سمة القرن الماضي؛ لتحل (المليشيات) التي أصبحت موضة العقود الأولى من القرن الحالي. والوقائع في هذا السياق عديدة وكثيرة، منها ما قامت به مليشيات الأحزاب الطائفية في العراق التي استلمت الحكم من المحتل الأمريكي في مطلع القرن الحادي والعشرين، ولا تزال تمارس عبثها حتى حوَّلت العراق إلى بلد مفلس فاشل سياسياً غير منضبط أمنياً فاقد الإرادة السياسية.. ساسته موزعون الولاء بين أمريكا وإيران. أيضاً تقدِّم مليشيات ليبيا نموذجاً آخر عبر البلدان العربية في الفشل السياسي والاقتصادي والأمني.

في لبنان حوَّلت مليشيات «الشيطان» بقيادة حسن نصر الله البلاد إلى دولة فاشلة، تُدار بلا رؤساء للمؤسسات الدستورية، بعد أن عملت على تعطيل انتخابات الرئاسة، وشكَّلت حكومة بلا فعالية، وبرلماناً يجدِّد لنفسه بصورة جعلته بلا معنى.

وفي اليمن حوَّلت مليشيات الحوثي وعناصر قوات الرئيس المعزول علي عبد الله صالح، التي فضَّلت ولاءها لولي نعمتها الرئيس السابق على الولاء للوطن، اليمن إلى دولة فاشلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فمليشيات الحوثي والقوات الانقلابية تبنت الاستراتيجية التي وضعها نظام ملالي إيران لتدمير الدول العربية وأنظمتها؛ لبسط نفوذه على المنطقة العربية، وتحويل هذه الدول إلى ولايات ضمن إمبراطورية الفرس الجديدة في أسلوب يعتمد بسط النفوذ والسيطرة، وتحويل حكوماتها إلى (بيادق) تُدار من طهران، مثلما يُطبَّق في بغداد وبيروت ودمشق.

وإذ هبَّت عاصفة الحزم لإفشال المخطط الفارسي المنفَّذ بمخالب الحوثيين وأعوان علي عبد الله صالح فإن مخططات العبث بالأمن القومي العربي مستمرة، وبأدوات متعددة. ومثلما أشرنا في بداية هذه المقالة، فإن أجهزة المخابرات العربية بدلاً من أن تحصِّن الأمن القومي العربي عملت - ولا تزال تعمل - على تدميره، وانحرفت بعض تلك الأجهزة إلى العمل لتنفيذ أجندة أعداء العرب طوعاً، أو استجابة لما يحصلون عليه من أموال، أو ظناً منهم بتوافق أيديولوجيتهم مع تلك الأيديولوجيات التي تسير عليها بعض الأنظمة التي تتحالف مع أنظمة الدول التي تتبعها أجهزة المخابرات تلك. والمصيبة أن المليشيات التي وصلت إلى سدة الحكم أصبح لديها أجهزة استخباراتية ومعلوماتية إضافة إلى أذرعتها الإرهابية، فاستثمرت كل ذلك في التآمر على الدول الأخرى؛ لتشتبك الدول العربية بعضها مع بعض في سلسلة مؤامرات، خلفت آلاف القتلى، من خلال تنفيذ العديد من العمليات التآمرية ضمن سلسلة من الأعمال الإجرامية والإرهابية، ومنها ما كشفت عنه وزارة الداخلية المصرية عن ضلوع حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين في عملية اغتيال النائب العام المصري هشام بركات العام الماضي؛ إذ قدم وزير الداخلية المصري معلومات دقيقة عن مشاركة عناصر من حركة حماس، يعدون من الأجهزة المخابراتية التابعة لقطاع غزة، ودورهم في تنفيذ مخطط إرهابي، وضعته جماعة الإخوان المسلمين لتنفيذ عمليات اغتيال لشخصيات مصرية مسؤولة وقيادية، وتفجير عدد من السفارات العربية والأجنبية.

الوزير المصري في مؤتمر صحفي قدم دلائل وقرائن اتهامه لحركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين، وذكر أن 14 شخصاً اعترفوا بمشاركتهم في جريمة اغتيال النائب العام، وأن 48 شخصاً شاركوا في وضع مخطط الاغتيالات وتفجير السفارات، وأن هذه المجموعة يرأسها طبيب مصري مقيم في تركيا.

طبعاً، الوزير المصري لا يمكن أن يقدم معلومات غير صحيحة، خاصة أن لديه 14 شخصاً موجودين في سجون مصر، واعترافاتهم مسجلة ومثبتة؛ ما يجعل أي تنصل ونفي بلا معنى، وهو ما يؤكد أننا كمسلمين وعرب نكيد لبعضنا، وتركنا لأعدائنا العبث بأمننا وتدمير دولنا، من خلال العمل معهم طوعاً أو طمعاً فيما يقدمونه من أموال.

* نقلا عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.