.
.
.
.

رعد الشمال: جوابي لزميل جزائري

علي سعد الموسى

نشر في: آخر تحديث:

لظروف الحجز والطيران لم أتمكن من تلبية الدعوة الكريمة لحضور العرض النهائي لتمرين رعد الشمال الذي يعتبر، وبكل أمانة، أول فكرة تضامنية عسكرية في تاريخ العالم الإسلامي. مساء البارحة يسألني زميل جامعي جزائري: هل المكان والزمان لرعد الشمال صدفة بريئة لا علاقة لها بما يحدث على الخارطة الكبرى والصغرى أيضا من حولنا؟ والجواب الذي أملكه أن هذه المملكة ودعت للأبد عصور البراءة وتخلت عن دورها الناعم الذي كان يرتكن إلى الصبر والحلم والنفس الطويل، لأن العدو المعلن على الضفة الأخرى من الماء المالح الأزرق صار يحتفل علنا بسقوط العاصمة العربية الرابعة بين يديه. السبب لأنه فسر هذا الحلم والصبر والنفس الطويل بأنها ضعف وتردد من الدولة الأقوى نفوذا واقتصادا وسياسة في الشرق الأوسط.

ومرة أخرى، فمن الخطأ الفادح أن ننظر إلى هذا التمرين الهائل على أنه مجرد رعد وبرق عسكري. الصحيح أنه رسالة سياسية في المقام الأول. أصعب المهمات أن تستطيع دولة على وجه الأرض تكوين تحالف عسكري فكيف بقيادته. هذه المهمة تحتاج إلى تهيئة وعمل سياسي جبار، وهذا لا يحدث في تاريخ التحالفات العسكرية إلا عبر الثقة المطلقة في سياسات الدولة المكونة للحلف والقائدة له.

ولعل أجمل ما خرجنا به من تمرين رعد الشمال هو ولادة صورة جديدة تظهر للمرة الأولى في تاريخ "الفوتوغرافيا" الإسلامية: زعماء السعودية ومصر وباكستان في مشهد ثلاثي الأبعاد، وأنا أعني هذا المصطلح. هذه الصورة الفريدة هي كماشة الخارطة الإسلامية الجديدة، ولكم فقط أن تنظروا لانتشار ونفوذ هذه الأقطاب الثلاثة على الخارطة الإسلامية. مصر خرجت بنجاح من أخطر اختطاف باسم الثورة، وكل الفضل يعود أولا للعقل المصري اللماح الذكي الذي أدرك بسرعة أنه يذهب إلى لعبة قذرة، ثم الفضل ثانيا لأشقاء مصر الذين وقفوا معها في سويعات الظرف الصعب وعلى رأسهم هذه المملكة. باكستان تخرج بهدوء من مستنقع الحروب الإقليمية المفتعلة التي ألهت جيشها الجبار عن حماية محيطه السني وعمقه الجغرافي. السعودية برهنت وبكل وضوح وخلال خمس سنوات من خريف العرب الكئيب أنها تمتلك منظمة اجتماعية فريدة في الالتحام واللحمة الوطنية ما بين الشعب والقيادة، وهذه المسألة بالتحديد كانت موضع رهان واسع انتظرته عشرات الشعوب والقيادات والدول، ثم سقط هذا الرهان المريض بكل الذهول والدهشة.

والخلاصة في الجواب عن سؤال زميلي الأستاذ الجامعي الجزائري: لا ثم بعدها ألف لا: أنا لا أظن في زمن الحزم أن مكان وزمان رعد الشمال كانا صدفة بريئة. أنا أعتقد أن التمرين هو ولادة الحلف البريء في وجه النوايا المريضة.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.