.
.
.
.

«رعد الشمال» والبوصلة شمال

فايز عبد الله الشهري

نشر في: آخر تحديث:

سيطول الحديث عن مناورة «رعد الشمال» عربيّاً وعالميّاً لأنّها في حقيقتها منظومة سياسيّة عسكريّة أمنية (أكبر) من مجرّد مناورة، (وأهمّ) من مناسبة تجمع قوات حلف عسكري (وأضخم) في مجالها الحيوي من فضاء مفتوح لتمرين حربي مشترك. نعم قد لا تُقرأ هذه المناورة اليوم بكامل صورتها ولكن التاريخ العسكري سيقول يوماً ما كلمته عن «رعد الشمال»، وعن مرحلة ما بعد «الرعد».

لا أظن أن القيادة السياسيّة السعوديّة أطلقت مناورة عسكريّة تستعرض فيها أحدث قواتها ومنظوماتها الدفاعيّة بقدر ما كانت «رعد الشمال» تأكيد مبدأ وإعلان عزيمة صادقة على ألا مكان للإرهاب والفوضى في مجال المملكة الحيوي. لم يصحب عرض مهارات وإمكانات القوات السعوديّة الضاربة في «رعد الشمال» خطب عنتريّة كما هي العادة السعودية. «سلمان بن عبدالعزيز» وإلى جواره «المحمدان» المتوثبان قال (كل شيء) بحزم وعزم وتواضع في تغريدة لم تتجاوز 19 كلمة (فخورون هذا اليوم بتضامننا في رعد الشمال وأن يشاهد العالم عزمنا جميعاً على ردع قوى الشر والتطرف ومحاربة الإرهاب).

هذه هي المعادلة السعوديّة الفريدة في البناء والتنمية وما الجيش وقوات الأمن والحرس الوطني إلا أدوات تنمية وتحديث. كانت القوات المسلحة السعودية مشروعاً تنموياً من خلال مئات القلاع التعليميّة والطبيّة وبرامج الإسكان والتدريب والابتعاث التي انخرط فيها مئات الآلاف من مواطني المملكة. نموذج نادر بين الجيوش العربيّة ذات الشمال وذات الجنوب التي تحوّلت إلى أدوات قمع وتشريد وقتل لابن الوطن وشريك المصير. ماذا صنع جيش «صدام» بشعبه وجيرانه، وماذا يصنع جيش «بشار» في سورية الإنسان والتاريخ، وكيف انحرف «عفاش» بجيش اليمن فعاث في اليمن انتصاراً للذات المريضة.

«رعد الشمال» تؤكد بأن قرار الرياض مدعوماً بقوة جيش العدل سيظل نصيراً للحق، وحارساً أميناً لمقدرات الأمة دون مزايدات أو تخاذل. ما برح الجيش السعودي عوناً للأشقاء في كل أزماتهم ولكن السعوديين لا يتبعون عملهم بالمنّ والأذى. أرض فلسطين (الأسيرة) تعرف بطولات الجيش السعودي عام 1948 حينما كانت الدولة السعوديّة في بدايات التأسيس وتواضع الإمكانات. وتعرف ساحات سورية العرب تضحيات الجيش السعودي في حرب رمضان 1973م وتعرفهم مصر الكنانة في كل أزمة منذ حرب السويس مروراً «بنكسة» عبدالناصر وحرب العبور والتضحية بقوت الشعب السعودي في قرار قطع النفط عن داعمي عصابات «إسرائيل» وحتى مجريات «الفوضى الخلاقة» التي لم تنته كل فصولها بعد.

يعرف الأشقاء في الأردن والعراق والجزائر كيف رهن القرار السعودي مصيره بمصيرهم في مراحل حساسة من تاريخ العرب. ويعرف اللبنانيون – رغماً عن شوشرة جراثيم حزب الله- حقيقة الدور السعودي في حقن دماء اللبنانيين بعد اقتتال دام 17 عاماً وكيف حرس الجيش السعودي ضمن قوات الردع العربيّة الاتفاق حتى تعافى لبنان. وها هو العالم يرى الجيش السعودي في اليمن سنداً للشرعيّة والشعب. وفي خليج العرب ونموذج استقرارهم يعرف أهلنا أن الجيش السعودي لم «يتفرج» على الكويت «والشقيق» الغادر يغزوها بليل مظلم. وقد لا يعلم بعض من حضر مناورات «رعد الشمال» أن طلائع قوات درع الجزيرة قد انطلقت من «حفر الباطن» إلى المنامة عام 2011 لتعلن أن استقرار البحرين خط «عربي» أحمر أدركته طهران فخنست. وبالأمس وفي مقصورة «رعد الشمال» أيقنت كما أيقن مئات الحضور معي أن الحزم يرى البوصلة الصادقة تتجه شمالاً بلا خلاف.

* قال ومضى:

من عزم اطمأن ومن حسم استراح.

*نقلا عن صحيفة "الرياض".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.